هل أكل الحرام جهلا يسبب جفافا روحيا؟
الحلقة الأولى
مدى تأثير العمل في السلوك
العمل السيئ والفعل المحرم تارة يصدر عن تمرد وعصيان على المولى عز وجل فيكون الفعل عصيانا وذنبا والفاعل عاصيا ومذنبا ومتجاوزا وأخرى يصدر الفعل المحرم عن عذر وبترخيص من الشارع نفسه والمقصود هو الأفعال المحرمة والممنوعة في الواقع وعلم الله ولكنها جائزة بمعذر شرعي ومجوز صادر من المشرع تبارك وتعالى.
والترخيص تارة يكون بلحاظ الحكم الشرعي الكلي في الشبهات الحكمية كما في حالات جريان البراءة الشرعية إزاء الأحكام الإلزامية المشكوكة نظير جواز الأفعال التي لم يثبت تحريمها مثل جواز تناول الأطعمة التي لم يثبت تحريمها بدليل معتبر.
وكذا الحال بالنسبة لعدم وجوب الأفعال التي لم يثب وجوبها مثل الغسل للإحرام والجمعة والدعاء عند رؤية الهلال ونحو ذلك.
وأخرى بلحاظ الشبهات الموضوعية كالطعام والشراب المشكوك في نجاستهما حيث يحكم بالطهارة وجواز التناول والأكل ، وكاللحم المأخوذ من المسلم أو سوق المسلمين حيث يجوز الشراء والأكل مهما شك في تذكيته ، وكمشكوك اللهوية من الأصوات حيث يجوز فعله واستماعه للشك في دخوله في الغناء.
تأثير العصيان على الأخلاق والسلوك:-
التمرد والعصيان ومخالفة المولى بدون عذر يؤثر سلبيا على نفس العاصي ويؤدي لجفاف يمس الروح فهو يبتعد عن الله عز وجل وكلما تكرر العصيان وتراكم كلما زادت ظلمة النفس وزاد استعدادها لمزيد من العصيان وهذا امر يشهد به الوجدان فضلا عن بيان آيات القرآن وسنة أهل البيت عليهم السلام.
استعراض بعض الآيات والروايات:-
1- قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) من سورة المطففين.
لسان هذه الآية الأخيرة يكشف ان الانحراف عن سبيل الله بمثل الأفعال الشنيعة المذكورة في الآيات السابقة يؤدي إلى صدأ القلب الذي يغشاه ويغطيه فهو أشبه بالعقوبة أو جزء منها.
2- قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) سورة البقرة.
فالختم على القلب وطبعه عذاب وجزاء لعصيان الكفر وقد ورد في خبر إبراهيم ابن أبي محمود قال : سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " قال : الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال تعالى : " بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " (بحار الأنوار ج 5، ص11).
3- قوله تعالى: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) من سورة الروم.
وهكذا تراكم الذنوب وفعل أقبحها عصيانا يردي الإنسان ويوقعه في حفرة التكذيب بآيات الله سبحانه وتعالى والاستهزاء بها.
4- قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) من سورة التوبة.
فالنفاق تولد جراء تلك الأفعال بما تمثل من عصيان وتمرد على المولى وطغيان.
5- خبر طلحة بن زيد ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : كان أبي ( عليه السلام ) يقول : ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة ، إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله.
الكافي ج2- ص 263.
هذا الخبر يؤكد حقيقة مقارفة الخطئية وما تودي له من انغماس في الانحراف وطمس للقلب وفي بيان الفيض الكاشاني لهذا الخبر في كتابه القيم الوافي قال: يعني فما تزال تفعل تلك الخطيئة بالقلب و تؤثر فيه بحلاوتها حتى تجعل وجهه الذي إلى جانب الحق و الآخرة إلى جانب الباطل و الدنيا. الوافي، ج 5، ص: 999.
6- موثق أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب انمحت وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدا . الكافي ج2-ص 271.
وهكذا خطيئة الذنب والعصيان تظلم القلب فلا يبصر النور فيزيد في غيه وانحرافه ويدخل في هذا الإطار الإصرار على الذّنب الصغير حيث يحوله لذنب كبير كما تؤكده الروايات والفتاوى.
7- جاء في كتاب (الخصال)، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أنّه قال: «أربعُ خِصال يُمِتْنَ القَلبَ: الذَّنبُ عَلَى الذَّنبِ...».الخصال ص 228.
إلى غير ذلك من الآيات والروايات ووضوح المطلب يغني عن الإطالة فيه بنقل المزيد من الأدلة والإثباتات وفيما ذكرناه غنى وكفاية.
ولكن السؤال الجدير بالطرح هل ان أكل الميتة مثلا جهلا بالموضوع مع جوازه شرعا هل يترتب عليه اثر سلبي على النفس والروح ام ليس له مثل هذا الأثر؟
فلو ان مسلما أكل لحما ظنا منه انه مذكى اعتمادا على الطريق الذي أرشدت له الشريعة كالأخذ من يد المسلم أو سوق المسلمين ولكنه في الواقع كان ميتة ولحما غير مذكى فهل له تأثير على الروح والأخلاق ومن ثم السلوك؟
هذا ما ستتكفل جوابه الحلقة المقبلة بإذن الله.

1 comments:
نسأل الله العلي القدير ان يبعدنا واياكم عن المعصية واكل الحرام علما او سهوا
وفقكم ارحمن وبانتظار القادم
إرسال تعليق