الخميس، 22 مايو 2008

العيش المشترك

الحكم الصالح في بلد ما يعم خيره جميع المواطنين دون تمييز مذهبي أو طائفي أو قبلي أو نحو ذلك.

واذا تحقق ذلك يقدر المواطنون قيمة مواقف القوى السياسية بمدى ما تفرزه من نتائج ومصالح او مضار للجميع بغض النظر عن الانتماء الطائفي والقبلي وغيرهما.

وفي هذه الحالة يسلم الدين والمذهب من التجاذب والاساءة الذين لا يرتبطان به، فيتحالف أصحاب الديانات المختلفة والمذاهب المتنوعة على أساس من التوافق في رؤية معينة تشكل مصالح مشتركة مع احتفاظ كل صاحب دين ومذهب بخصائصه.

فالقضايا السياسية التي يختلف الناس فيها أغلبها لا ترتبط مباشرة بمبادئ الاديان والمذاهب، بل لها علاقة بتوزيع الثروة والعدالة الاجتماعية وتحقيق المصلحة العامة ونحو ذلك من عناوين تتوافق عليها الاديان والمذاهب غير ان الاختلاف في الطريق والتقدير والقراءة وهي أمور في غالبيتها لا صلة لها بالاديان والطوائف بشكل مباشر.

اما حين ينتهج الحكم تمييزا صارخا على أساس المذهب والطائفة بين المواطنين كما هو حال الحكم في البحرين فان الفرد يتبرمج ولائه السياسي للطائفة وزعمائها الدينيين والسياسيين بصورة تلقائية.

ببساطة لانه يرى في الطائفة مدافعا عن وجوده ومصالحه ويغيب عن ناظره أي خطأ قد يقع فيه بعض زعماء الطائفة المشتغلين بالسياسة لان الخطأ يساوي فقدان السند والمدافع عن حقوقه فيستميت في الدفاع عنه وتبرير كافة مواقفه.

وفي نفس الوقت لا يرى في مواقف الزعيم من الطائفة الاخرى أي مقاربة للصواب فتصرفات الحكم التمييزية تشكل هاجسا ووقودا لحرب باردة بين الطائفتين أو الطوائف.

هذا الوقود قد يتحول لحرب فعلية مدمرة للجميع كما حدث ويحدث في العراق ودول أخرى.

وهكذا تسود الاجواء المحلية والاقليمة تبعية صنمية للزعيم السياسي المنتمي لهذه الطائفة أو تلك، بدرجة يعتبر فيها هذا الزعيم ممثلا للدين والطائفة في قراءة موقف أو تقدير وضع سياسي معين في حين ان الموقف السياسي او التقدير لحالة معينة لا ترتبط مباشرة بالدين او المذهب فما يحصل عند الشارع العام من أبناء هذه الطائفة أو تلك هو أقرب ما يكون لتوكيل الزعيم في التفكير نيابة عنهم وأن هذه التبعية في الموقف والفكرة تمثل الدين فهو ليس قارئا سياسيا ومقدرا للوضع بما يملكه من تجارب ومخزون فحسب بل هو الناطق الرسمي باسم السنة أو الشيعة أو الدروز أو أي طائفة أخرى ينتمي لها هذا الزعيم.

فالاختلاف معه خروج على المذهب وعدم الاتفاق معه في هذا الرأي أو ذاك طعن للطائفة في خاصرتها.

وهنا تلتبس السياسة بالدين فاذا ما أصاب الزعيم ونجح دل ذلك على صوابية هذا المذهب وحقانيته.

وفي المقابل الويل كل الويل لهذا المذهب اذا ما أخفق الزعيم السياسي الذي ينتمي اليه او أخطأ.

فقد قيل: (الوكيل كالاصيل) ولا تعجب اذا ما شاهدت متحولا هنا أو هناك لطائفة أو متحولا عنها بسبب موقف سياسي.

الاداء السياسي والفكري لهذا التيار أو ذاك ولهذه الشخصية أو تلك يعتمد على قراءة لمعطيات متشابكة ترتبط بالتاريخ ودروسه والحاضر وعبره بالثقافة وروافدها بالحضارة ومنتجاتها الخ ما هنالك.

كما ان العملين السياسي والفكري متشعبان بتشعب المواضيع والاحداث وتنوع القضايا والمواضيع.

ووفق هذين البعدين بعد التشابك المعقد وبعد التنوع الواسع، ما من أحد يخوض غمار السياسة أو الفكر الا ويتعثر هنا أو هناك فما منكم الا واردها حكما مقضيا من ضعف البشر ونقصه.

وعلى هذا الاساس يجب ان لا نجعل من خطأ هنا أو اشتباه هناك مسبة وداعيا للقطيعة والتسقيط الاجتماعي أو التوهين.

ولا من صواب ما دليلا على صوابية المذهب.

ويجب أن يسود الاحترام والمحبة بين الاخوة بدلا من النفرة والقطيعة.

كما يجب من جهة أخرى تقبل النقد من أجل البناء لا بمعنى الموافقة على صحة وجهة نظر المنتقد، بل بمعنى عدم الانزعاج من النقد ومحاولة دراسة النقد لتبين الرأي الصائب، والاعتراف بالخطأ حين انكشافه.

فداء الطائفية اذا ما سمح له بالتسلل يشطر المجتمع ليس الى طوائف متصارعة في الوجود والمصالح فحسب بل الى فئات متفتتة ومتناحرة داخل الطائفة الواحدة فالسنة والشيعة وغيرهم ينقسمون الى تيارات متعددة داخل المذهب نفسه وتتزايد التقسيمات يوما بعد يوم مما يزيد في الضعف والخور ليطال الشرر جميع الطوائف ويحترق الجميع في أتون الفتنة.

وصدق الامام علي بن أبي طالب (ع) حيث قال فيما روي عنه في نهج البلاغة:

(ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور الا عليَ خاصة)

لذا تنبه العلماء والفقهاء للخطر الداهم فسدوا أبوابه وأغلقوا منافذه.

فنرى فقهاء الشيعة رغم أنهم يعتقدون تبعا لائمتهم عليهم السلام ان من أنكر أحد الائمة الاثني عشر فهو كمن أنكرهم جميعا عليهم السلام.

الا ان نظرتهم العملية واقعية فهي تنتقد ولكنها تحترم تخالف وتجل من تخالفه تجادل وتعظم من لا تتفق معه.

برغم ان الاختلاف يمس جانبا عقائديا حساسا جدا.

وبرغم ان المسائل لا ترتبط بالسياسة والشأن العام ولكنهم ادركوا بثاقب نظرتهم ان النزاع يضر بالجميع فهذا شيخ الطائفة رحمه الله تعالى يؤلف كتاب الاختلاف كدراسة مقارنة للآراء الفقهية على المذاهب المختلفة في سعة صدر كبيرة وعدم نفي للآخر مما يؤكد الاعتراف به.

وهذا السيد المرتضى علم الهدى يقارن بين رؤى الشيعة وغيرهم في المسائل المختلفة والمتعددة.

وقد اعتبر الشيخ المفيد قدس سره (متوفى 413هـ) جماعة من الفقهاء الذين لا يتفقون مع العقيدة الامامية الاثني عشرية اعتبرهم من ( الفقهاء الاعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والاحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم)

[جوابات أهل الموصل ص 25 للشيخ المفيد]

منهم سماعة بن مهران واسحاق بن جرير وهما من الواقفة الذين وقفوا على إمامة الامام موسى الكاظم عليه السلام وانكروا إمامة الامام علي الرضا عليه السلام.

وعبر النجاشي – زميل الشيخ الطوسي عند الشيخ المفيد- عن فقهاء ليسوا على عقيدتنا الامامية الاثني عشرية عبر عنهم بانهم من أصحابنا ووثقهم وترحم عليهم ونحا هذا المنحى زميله الشيخ الطوسي أيضا وغيره من فقهائنا الكرام، مع ان عبارة (أصحابنا) لمن لا يعلم تطلق على المتفق عقائديا دون المختلف.

  1. فقد قال النجاشي (متوفى450 هـ) في ترجمة داود بن فرقد:

    وقد روى عنه هذا الكتاب جماعات من أصحابنا - رحمهم الله - كثيرة، منهم أيضا إبراهيم بن أبي بكر محمد بن عبد الله بن النجاشي المعروف بابن أبي السمال. [رجال النجاشي- النجاشي ص 159.]

فقد عد إبراهيم بن أبي بكر من أصحابنا مع أنه من الواقفة، قال النجاشي في ترجمته:

ثقة هو وأخوه إسماعيل بن أبي السمال، رويا عن أبي الحسن موسى عليه السلام وكانا من الواقفة، وذكر الكشي عنهما في كتاب الرجال حديثا شكا ووقفا عن القول بالوقف. [رجال النجاشي ص21]

2- قال الكشي (متوفى 430 هـ 951م) في كتاب اختيار معرفة الرجال:

وكان زرارة هكذا يصلي في الصيف، ولم أسمع أحدا من أصحابنا يفعل ذلك غيره وغير ابن بكير. [اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ج 1 ص 355.]

فان ابن بكير (عبد الله بن بكير) من الفطحية ومع ذلك عده من جملة أصحابنا.

3- وقال في كتاب اختيار معرفة الرجال أيضا:

قال محمد بن مسعود: عبد الله بن بكير وجماعة من الفطحية هم فقهاء أصحابنا. [اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ج 2 ص 635.]

4- قال الشيخ الطوسي (متوفى 460هـ) في الفهرست:

ذكرت كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول فلابد من ان أشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعول على روايته أو لا، وأبين عن اعتقاده وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له، لان كثيرا من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وان كانت كتبهم معتمدة. [الفهرست- الشيخ الطوسي ص 32.]

5- جاء في فهرست الشيخ أيضا:

الحسن بن فضال، فطحي المذهب، ثقة، كوفي، كثير العلم، واسع الرواية والأخبار، جيد التصانيف، غير معاند، وكان قريب الأمر إلى أصحابنا الإمامية القائلين بالاثني عشر.[
الفهرست- الشيخ الطوسي ص 156.]

بل نجد فقهائنا لا يجدون حرجا في الاعتماد على رواة السنة فقد قال الشيخ الطوسي (متوفى 460هـ) رحمه الله تعالى:

عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن دراج والسكوني وغيرهم من العامة عن أئمتنا عليهم السلام. [عدة الاصول ج1، ص 149]

واليوم تتربع فتاوى كثيرة لفقهائنا المعاصرين في رسائلهم العملية مستندة لرواة مختلفين عقائديا مع الامامية الاثني عشرية.

فالاختلاف في مسألة سياسية أو دينة ما لا يوجب القطيعة ولا يصحح البينونة والتشاحن والتباغض.

فهل يضع الكل خلافاته الدينية والسياسية جانبا فلا تتوزع المساجد والمواقع بين التيارات والتوجهات المختلفة؟.

وهل نحلم بأن يضع السنة والشيعة وجميع التيارات الوطنية يدهم بيد بعض لتنتصر مصالح الوطن على المصالح الفئوية الضيقة؟.

الأحد، 18 مايو 2008

سؤال عن مصحف هل هو وقف؟

سؤال
منذ سنه تقريبا ذهبنا للعمرة وحصلنا على مصحفين كهديه من الحرم ولكن كتب على المصحف الاول" وقف لله تعالى "وعلى المصحف الثاني "وقف لله تعالى للمسجد الحرام"
ولم نعلم بهما الا فى البحرين ... فما حكم استعمالهما حيث انى استخدم كثيرا المصحف الاول في دراسه التجويد وادون عليها ملاحظاتى
علما ان مقلدى السيد السيستاني
------------------------
بسمه تعالى
في نظري يجوز استعمال كلا المصحفين لامارية اليد التي لا اعتبار معها للمكتوب علما ان عبارة (وقف لله تعالى) يقصد منها الوقف في سبيل الله تعالى فلا اشكال في الاول من حيث الاستعمال لانه من ضمن سبيل الله تعالى وانما الاشكال في الثاني والذي أراه حجية امارية اليد بحيث لا عبرة بالمكتوب.
ولكن هذا لا يعبر عن فتوى السيد السيستاني مد ظله وقد ارسلنا الاستفتاء بانتظار الجواب والله العالم.
--------------
بسمه تعالى
جاء الجواب من مكتب سماحة السيد السيستاني بهذا النص:
يجوز الاستفادة منهما.
بتاريخ 7-2-2008

الأربعاء، 7 مايو 2008

متى يكون النقد ذا مردود؟

التكاليف الشرعية الاسلامية تارة تكون شخصية واخرى اجتماعية فالتكليف الشخصي ينطلق من مصلحة تتعلق بالشخص حين امتثاله للتكليف وتفوت هذه المصلحة حين يتخلى عن الامتثال ولكن لا تفوت مصلحة ترتبط بالجسم الاجتماعي بصورة مباشرة فيكون الخاسر بشكل مباشر هو الشخص دون المجتمع ولعل اكثر التكاليف تاخذ هذا الطابع وتتميز بهذه الصبغة.

ولهذا نجد موضوعات الاحكام الشرعية الصرفة يترك تحديدها الى المكلف نفسه بصورة شخصية فعدالة زيد أو عدمها يحددها المكلف نفسه الذي يريد ان يقبل شهادته في رؤية الهلال او يريد ان يصلي خلفه على سبيل المثال.

التكاليف الاجتماعية

اما التكاليف الاجتماعية فمرجعها يعود لمصلحة تعود في الاساس للمجتمع بغض النظر عن الفرد فقد لا تكون هناك مصلحة مباشرة للفرد في امتثال التكليف الاجتماعي بل ربما تكون مصلحة الفرد في عصيان ذلك التكليف ذا البعد الاجتماعي فمن تلك التكاليف الاجتماعية ضريبة الخمس والزكاة ونحوهما فالمصلحة الشخصية البحتة والمباشرة للشخص تقتضي الاحتفاظ بماله الخاص والامتناع عن تسليمه لمستحقيه غير ان دفع هذه الضريبة وامتثالها يعود بالنفع على المجتمع بشكل عام وينعكس خيره على الفرد بصورة غير مباشرة.

والتكاليف الاجتماعية تنبع طرا من مصلحة عامة تدر بخيرها على المجتمع بشكل عام غير ان هذه التكاليف الاخيرة بدورها تنقسم الى قسمين:-

احدهما- تكاليف لها مردود على الاخر مهما تقلص امتثالها فاستيفاء المصلحة يتناسب طرديا مع حجم امتثالها ومثاله الضرائب الشرعية من الخمس والزكاة فلو فرضنا ان امتثالها اقتصر على شخص واحد دفع زكاته لفقير فان هذا الامتثال لا يستفرغ من تحصيل المصلحة فالنفع هنا يستفيد منه الفقير المتلقي للزكاة.

فهذه تكاليف اجتماعية اسميها جماعية وتسميتها بالاجتماعية بلحاظ ان مردودها المباشر يعود على الآخر وليس بلحاظ اشتراط تأثيرها بالتزام المجتمع بها وان كان الالتزام بها يتناسب طرديا مع المنفعة المترتبة على الامتثال.

التكاليف الاجتماعية المجموعية

والقسم الاخر- تكاليف ربما لا يكون لها مردود ما لم تلتزم بها الامة وتشكل ظاهرة على الاقل فالتزام فرد هنا وفرد هناك بها لا يعطيها أي مردود مباشر على المجتمع ومن هنا نستطيع ان نسميها التكاليف الاجتماعية المجموعية.

فتكون الاقسام ثلاثة:- 1- تكليف شخصي 2- وتكليف اجتماعي جماعي 3- وتكليف اجتماعي مجموعي.

ولا نعني بالتكاليف الاجتماعية المجموعية اشتراط ترتب الفائدة عليها بالتزام مجموع افراد الامة بها.

بل يكفي فيها التزام الاغلبية او أدنى منها بمقدار ما يسمى ظاهرة اجتماعية حتى تؤتي ثمارها وتؤثر في المصلحة العامة بشكل فعلي ومباشر.

وليس بعيدا دخول مثل (تواصوا بالحق) و (لا تنازعوا) في ما سميناه بالتكاليف الاجتماعية المجموعية.

فالتواصي بالحق لا يتحقق في حالة وصية المؤمن لغير المؤمن وقبول هذا المؤمن لوصية غير المؤمن.

فبالرغم من تحقق ارسال النصيحة واستقبالها من احد المؤمنين الا ان ذلك لا يحقق مفهوم تواصي المؤمنين بالحق.

ومثل هذا الموقف ليس له مردود على المجتمع نعم له مردود على هذا الشخص وعلى الغير ولكن الغرض الاساس من هذا النحو من التكليف هو تحصيل منفعة تعود للمجتمع بشكل عام.

فحتى يكون لمبدأ التواصي بالحق مفعولا ايجابيا يتحتم التزامه من الجميع بدرجة لا تقل عن الظاهرة حتى يمكن اقتطاف الثمرة.

ولعل احدى مميزات التكليف الاجتماعي المجموعي الخطاب القرآني حيث يظهر منه توجه الخطاب للامة بما تحمله من صفة اجتماعية وفي موضوع التواصي حيث لم يكن المطلوب والمصلحة الاساسية شخصية.

وليس المستهدف التزام زيد وامتثال عمرو ومن هنا جاء الخطاب بصيغة (تواصوا) فلو كان الغرض يتم استيفائه من الشخص مهما قل العدد لاكتفى القرآن الكريم بمخاطبة المؤمن ان ينصح غيره ويقبل نصيحة الاخر فالعدول عن هذا الاسلوب لاسلوب مخاطبة المجموع وتوصيف المؤمنين بانهم يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر ونحو ذلك يستنتج منه ان هذا التوصيف يشير الى ان المصلحة اجتماعية وتستوفى حينما تشكل ظاهرة اجتماعية عامة.

على ان هذا الامر لا نعتبره القرينة الوحيدة لتصنيف هذا التكليف بالتكليف الاجتماعي المجموعي لان ذلك يتطلب دراسة مستفيضة وشرحا لا يتناسب وحجم هذا المقال.

فثقافة النقد الايجابي وقبوله لا تعود ذات جدوى اذا كان السائد ثقافد التقليد والتقديس وهكذا تجد الهروب للامام حاضرا بقوة بتقديس الشخص الذي يتم توجيه الانتقاد له فكأن الحقائق توزن بالاشخاص وكأن العدل يتبع الافراد وقيمتهم العلمية او التاريخية.

فلا ينقضي عجبي من مواجهة كل نقد بما يتمتع به فلان وفلان من خصائص أو بتكرار استلزام التوهين الذي لا أفقه له أي انتساب بالنقد البناء.

الأحد، 4 مايو 2008

تواصوا بالحق ولا تنازعوا


 

قال تبارك وتعالى:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَالْعَصْرِ {العصر/1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {العصر/2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {العصر/3}

وقال سبحانه:

ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ {البلد/17} أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ {البلد/18}

التواصي من باب (التفاعل) صرفيا وهذا الباب لا يصح بدون صدور (المادة) من اثنين او اكثر فلا يقال للفرد انه تواصى بالحق لمجرد انه أوصى به فالتواصي عبارة عن ان يُوصِي المؤمن غيره كما انه يُوصَي ومعنى تبادل الوصية ليس اقتصار دائرتها على المؤمنين ليكون المفاد؛ (ليوصِ المؤمن أخاه المؤمن).

بل المطلوب من المؤمن:-

1- ان يوصي بالحق من جهة وهنا متعلق الوصية بالحق غير محدد بالمؤمن أي المطلوب من المؤمن ان يوصي المؤمن وغير المؤمن أيضا،

لوضوح ان الوصية بالحق لغير المؤمن مطلوبة ومحبوبة اما على نحو الوجوب أو على نحو الاستحباب حسب موضوع الوصية بالحق.

2- وان يكون موصى بالحق من جهة أخرى وليس معنى مطلوبية ان يكون المؤمن موصى بالحق هو ان يدعوا الناس لان يوصوه بالحق كلا،

كما ان الوصية بالحق من زيد لعمرو لا يمكن ان يكلف بها عمرو.

وهكذا تعمد الخطأ لا يمكن ان يكون مطلوبا لهدف وصية الاخرين للمخطئ بالحق.

اذن ما هو معنى ان يكون المؤمن موصى بالحق؟

أقول: معناه ان يقبل الوصية بالحق التي لم يحدد مصدرها فحتى لو صدرت من غير المؤمن عليه ان يقبلها طالما كانت حقا،

بعد الفراغ من ان معنى التواصي هو ان يوصي (بكسر الصاد) المؤمن وان يوصى (بفتح الصاد).

وبكلمة أخرى يرسل الوصية ويستقبلها وهكذا ليس في آيات التواصي شرط صدور الوصية من مؤمن لقبولها

ولا شرط الايمان في مستقبلها فالآية تقول بوضوح ان المؤمنين يوصون غيرهم كما يقبلون وصية الغير.

ولا غرابة في ان يدعو القرآن لقبول الوصية من الآخر وان لم يكن مؤمنا فالحق أحق أن يتبع وكما قيل: (خذ الحكمة ولو من رؤس المجانين).

فمن الضروري ترسيخ مبدأ النقد المتبادل ان ينتقد وان يقبل النقد وبتعبير القرآن الكريم (التواصي بالحق) (والتواصي بالصبر) (والتواصي بالمرحمة).

وهذا المبدأ عام لا يستثنى منه أحد لا يتمتع بالعصمة.

أجل يجب ان يكون النقد نظيفا من الشتم وخاليا من السباب وفارغا من التوهين والتسقيط الاجتماعي.

وكما يوضح القرآن الكريم:

(وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) {الأنفال/46}

فالتنازع والصراع سلوك سيء ذو نتائج سلبية مدمرة وخطيرة تؤدي الى الخسارة العامة ليطال الفشل جميع أطراف النزاع.

والتزاوج بين هذين المبدأين مبدأ التواصي بالحق ومبدأ عدم التنازع يكشف عن زيف مفهوم مغلوط لدى البعض وهو ان النقد لأداء يطال الشأن العام لشخصية ما يساوي هتك حرمتها او اسقاطها او التعدي عليها او محاربتها او التطاول عليها ونحو ذلك من توصيفات تنحرف عن مفهوم النقد البناء او (التواصي بالحق) فالتواصي بالحق مبدأ قرآني لم يستثن أحدا (ارسالا واستقبالا) اذا جاز مثل هذا التعبير.

والهدف منه البناء وليس الهدم فمن الخطأ جدا تفسير النقد والتواصي بالحق بانه استهداف شخصي وهذا النحو من التفسير نتيجة خلطه بين المبدئين

يطالب اما بالغاء مبدأ التواصي بالحق او باستثناء بعض الاشخاص منه ليقتصر دوره على تقديم الوصية بالحق دون قبولها لنفسه فهو يرسل ولا يستقبل.

في حين انه مبدأ قرآني عام لا يستثنى منه أحد.

وهناك من يتبرع بشرط آخر يقيد به اطلاق القرآن الكريم ويخصص عمومه،

فترى من ينبري لمن ينتقد او ينصح طالبا منه التوفر على شرط يسبق تقديم أي انتقاد.

الا وهو تقديم البديل اذا انتقدت الاداء السياسي لفلان من الناس فيجب ان يكون لك برنامج متكامل وخال من العيب والنقص،

قبل ان يحق لك ممارسة النقد.

تماما كمن يحاول ان يستثني بعض الشخصيات ببعض الذرائع من مبدأ النقد والتواصي بالحق.

أقول لمثل هؤلاء:-

اولا- مثل هذه الشروط لم يشرط منها رب العزة والجلال شيئا فالتواصي بالحق والنقد لا يتطلب تقديم برنامج بديل ولا يستثني أحدا

وقد جاء عن أمير المؤمنين (ع) قوله: وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته، وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يُعَاوَن على ما حمَّله الله من حقه"

أجل قد يستثنى المعصوم (ع) فهو يوصي بالحق ولا يوصى به لعصمته رغم ورود عدة روايات تدعو لذلك مثل ما روي عن الامام علي (ع):

(فلا تكفوا عن مقاله بحق أو مشورة بعدل فانى لست في نفسي بفوق أن اخطئ)

فلعل التواصي بالحق لا يستثنى منه حتى المعصوم سلام الله عليه لغرض تعليم الآخرين وتدريبهم على النقد وحتى يبين الامام (ع) الحق ويصحر به،

فلا يبقى سؤال في نفس أحد بدون جواب وذلك لا ينافي العصمة وأيا كان الحال هذه النقطة ليست محل بحث وتحليل في هذا المقال.

وثانيا- النقد في جزئية معينة يعني محاولة اكتشاف ثغرة ليس بالضرورة يملأ فراغها نفس المنتقد فربما يملأها شخص آخر.

فهذا النقد او ذاك يمثل لبنة في عملية البناء الطويلة الشامخة والتي لا تقوم على عاتق بناء شخص أوحدي.

وثالثا- مبدأ النقد والتواصي بالحق يستبطن الاعتراف بالمشاركة في البناء المشترك وانه لا أحد يملك حصرية البناء والوصاية.

ورابعا- الناقد الذي ينتقد ثم يقدم لك حلولا بديلة معلبة وجاهزة على أنها وحدها سبيل الخلاص يخرجك من دائرة وصاية ليدخلك في أخرى

فهو يستثني نفسه من قبول مبدأ التواصي بالحق أي انه ينتقد ولكن لا ينتقده أحد.

فهذا ينافر مبدأ التواصي بالحق الذي يعني فيما يعني الشراكة المجتمعية في البناء على أصعدة مختلفة منها الصعيد السياسي.

فالمطلوب قدر كبير يساهم في وضع محتوياته وطبخها كل من له يد وكل من له وجهة نظر حق يوصي بها.

هذا ويعضد مبدأ التواصي بالحق بمبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبمبدأ الشورى الوارد في القرآن الكريم والاحاديث الشريفة فقد طفحت بالحث على الشورى والمشاورة حتى بلغت حد التواتر.

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) الشورى/ 38. وقال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) {آل عمران/159}

وروي عن الامام أمير المؤمنين علي (ع) انه قال في وصيته لمحمد بن الحنفية: (اضْمُمْ آرَاءَ الرِّجَالِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ) وسائل الشيعة ج12، ص 46.

فما احلى النقد وتقبل النقد بصدر رحب مع الابقاء على أواصر الاخوة والمحبة الايمانية فاختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية.