السبت، 7 نوفمبر 2009

اخبار المستقبل بالاستخارة


اخبار المستقبل بالاستخارة
ورقة حديث الجمعة
تنويه مهم (1)
المكان مسجد الجبل ببلاد القديم
الزمان يوم الجمعة 17 ذو القعدة 1430 هج الموافق 6 اكتوبر تشرين الثاني 2009م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين.
قال تبارك وتعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) النحل/105.
ليس هناك أدنى شك في حرمة الكذب وهو الاخبار بما ليس بواقع
وفاقا لجملة من الاعلام ومراجع العصر منهم المحقق الايرواني قدس سره وسيد اساتذتنا الخوئي رحمه الله والسيد السيستاني مد ظله.
ولتوضيح معنى الكذب أقول: الكذب عدم مطابقة الخبر للواقع بحسب قصد المتكلم فاذا قصد المتكلم من خبره المعنى الظاهر او الخفي ولم يكن هذا المعنى مطابقا للواقع فهو كذب
فهنا مطابَق بالفتح ومطابِق بالكسر والاول هو الواقع والثاني هو مراد المُخبر بحسب مفاد المعنى فالمعيار في المطابَق بالفتح هو الواقع المخبر عنه والمعيار في المطابِق بكسر الباء هو قصد المخبر للمعنى الظاهر او الخفي فمع قصد احدهما فان كان هذا المعنى المقصود مطابِقا للواقع فهو صادق والا فهو كاذب.
وهكذا يتبين ان المعيار في المطابِق بالكسر مراد المتكلم وليس ظاهر كلامه دائما فان قصد ظاهر كلامه وكان مطابِقا للواقع كان صدقا وان قصد المعنى غير الظاهر وكان هذا المعنى مطابِقا للواقع فهو صادق ايضا ومع مخالفة المعنى المقصود للواقع يكون الخبر كاذبا.
والواقع المخبر عنه وهو المطابَق بفتح الباء قد يكون امرا خارجيا مثل سفر زيد او مرض عمرو او اجتهاد خالد وقد يكون امرا ذهنيا وفكريا مثل الاعتقاد بشيء ما ومن هنا يتضح وجه نسبة الكفر للمنافقين في قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) المنافقون/1.
فبرغم ان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله رسول الله واقعا ولكن كذبهم ليس من حيث عدم مطابقة كلامهم لهذا الواقع بل من حيث عدم مطابقة دعواهم الشهادة بالرسالة لواقع الشهادة فهم لا يشهدون بالرسالة المحمدية في انفسهم ولا يعتقدون بها في ضمائرهم فحيث انهم يخبرون عن هذا الاعتقاد وقيامه بأذهانهم في الحال الذي هو مفقود من صفحة اذهانهم لذلك رماهم رب العزة والجلال بالكذب والفرية فكذِبهم من حيث عدم مطابقة الخبر لواقع المخبر عنه وهو الشهادة والايمان بالنبوة.
وعلى اساس معيارية قصد المتكلم في المطابَق بالفتح تخرج التورية عن الكذب فان عدم مطابقة ظاهر الكلام للواقع مع قصد المتكلم للمعنى الخفي المطابِق للواقع يخرجه عن الكذب ويدخله في الصدق ومثاله ما روي عن الامام الصادق عليه السلام في معاني الاخبار للشيخ الصدوق والاحتجاج للطبرسي ونص الراوية أخذناه من معاني الاخبار:
عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه السلام : " قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ( الانبياء / 64 ) " قال : ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم عليه السلام ، فقلت : فكيف ذاك ؟ قال : إنما قال إبراهيم عليه السلام : " فاسألوهم إن كانوا ينطقون " إن نطقوا فكبيرهم فعل ، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا وما كذب إبراهيم عليه السلام . معاني الاخبار ص210.
والسؤال الجدير بالطرح هل يجوز الاخبار عن حدث او شيء ما لا يتوفر علم به؟
أقول: النسبة تارة تكون لله تبارك وتعالى او المعصومين عليهم السلام واخرى لغيره تبارك وتعالى ولغير المعصومين بحيث لا يتضمن الاسناد نسبة الى الله سبحانه وتعالى.
النسبة لله والاخبار عنه
لا ريب في عدم جواز نسبة حكم شرعي الى الله تبارك وتعالى بدون علم مباشرة كالقول بان سين حرام وصاد حلال في شرع الله سبحانه او بصورة غير مباشرة كالقول بان المعصوم عليه السلام حرم او حلل سين او صاد لدخول ذلك في الافتراء على الله سبحانه بمقتضى النصوص الدينية ومنها قوله تعالى:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) يونس/59.
النسبة لغير الله سبحانه
ما اكثر الاخبار والحوادث المرتبطة بالاشخاص والوقائع العادية وغير العادية الصغيرة والكبيرة والتي يتم تناقلها عبر الكلام او الكتابة او غيرهما من وسائل نقل الافكار والسؤال المهم هو التالي:
ما هو حكم الإِخبار عن مثل هذه الحوادث والقضايا المشكوكة بالنسبة لغير الله والمعصومين عليهم السلام كالإِخبار عن زواج زيد او سفر عمرو او مرض خالد غير المعلوم؟
فهل يجوز ان يخبر الانسان عن اشياء لا يعلمها بصورة جازمة وليس متأكدا من حقيقتها ام لا يجوز ذلك شرعا؟
هل يجوز له ان يخبر بشيء سمعه بصورة المتأكد ولا يدري مدى صحته؟
مثلا هل يجوز شرعا بدون علم نسبة المرض الى زيد او السفر الى عمرو او اسناد صفة طبيب الى خالد او ان فلانا قال كذا او فعل الشيء الكذائي؟
قد يقال بان القاعدة تقتضي الجواز للشك في دخوله في الكذب بنحو الشبهة المصداقية لادلة الكذب فيجوز الاخبار لجريان البراءة الشرعية والعقلية عن هذا الاخبار لعدم احراز مخالفة الخبر للواقع وبالتالي عدم احراز دخوله في الكذب كما جاء في كلمات بعض الاعاظم قدس سره في مكاسبه المحرمة.
وقد يعزز ذلك كلمات عدد من الاعلام كالشيخ الانصاري وصاحب الجواهر قدس سرهما في مسألة الكهانة من حرمة الاخبارات عن وقائع المستقبل المجهول بدون تأكيد دخول ذلك في الكذب واستئناف البحث في ادلة حرمة هذا العمل مما يوحي بعدم التسليم بدخوله في الكذب.
الاخبار عن المشكوك حرام
ولكن الصحيح ليس حرمة مثل هذه الاخبارات وعدم جواز نسبة شيء لشيء لا علم به فحسب بل دخول ذلك في الكذب ايضأ اما حرمة هذا الفعل فيدل عليه قوله تعالى:
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) النور/15.
يستفاد من الآية الكريمة حرمة القول بما ليس به علم مطلقا فيشمل الاحاديث العادية التي يتداولها الناس ويتناقلون الاحداث والوقائع فلا يجوز ان يخبر احد عن وقوع الحادثة او عدم وقوعها وهو لا يعلم بذلك فالمشار اليه في قوله تعالى: (وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) القول بما ليس لكم به علم ، فيكون حراما بل ذنبا عظيما بدلالة قوله تعالى: (وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) فسواء دخل الاخبار والادلاء بالنبأ في موضوع الكذب ام لم يدخل يحرم لدلالة الآية الكريمة ورغم وضوح دلالتها لم أجد احدا استدل بها على ذلك حيث لُجأ الى الاستدلال بالروايات والبحث عن دلالتها وسندها ونحن بعد وضوح الاية في غنى عن ذلك اما ورود الاية الكريمة في سياق حديث الافك فجوابه ان خصوص المورد لا يخصص الوارد ولا يمنع ذلك من انعقاد الاطلاق وهذا الاستدلال والمطلب تام سواء دخل ذلك في الكذب كما نرى ام لم يدخل كما تؤكد كلمات بعض الاعاظم رحمه الله تعالى.
الاخبار مع الشك داخل في موضوع الكذب
واما دخول هذا الاخبار والاسناد في الكذب او عدم دخوله فيه فيظهر من كتاب مصباح الفقاهة جزم سيد اساتذتنا رحمة الله تعالى عليه بدخول الاخبار بدون علم في موضوع الكذب دون توضيح وجه ذلك ولا تخلو عبارات الكتاب عن بعض التشوش والتهافت في المطلب غير الخفيين على النبيه.
خلافا لما يصر عليه بعض الاعاظم قدس سره من خروجه عن موضوع الكذب وخلافا لما توحي به كلمات مثل الشيخ الانصاري وصاحب الجواهر كما تقدم الايعاز اليه.
واذا دخلت الإخبارت بدون علم في موضوع الكذب شملها حكمه وهو الحرمة بلا حاجة للبحث عن دليل آخر وان لم تدخل احتجنا لاستئناف البحث وعلى أي حال يمكن تقريب الدخول في موضوع الكذب بان المخبر عن قيام زيد مثلا مخبر عن قيامه بالدلالة المطابقية ومخبر عن اعتقاده الجازم بقيامه بالدلالة الالتزامية فالاخبار عن القيام اخبار عن نسبة القيام لزيد مطابقة وعن اعتقاد المخبِر بالالتزام فما لم يكن جازما فهو كاذب لا محالة.
ونسبة القصد الى الدلالتين الالتزامية والمطابقية على حد واحد بدون ادنى فرق فالقاصد للاخبار عن قيام زيد جزما قاصد للاخبار عن جزمه بذلك لا محالة وان اختلف ذلك من حيث الدلالة الالتزامية والمطابقية وهذا لا يفرق في صدق قصد المدلولين بنفس المستوى فيكون من مخالفة المطابَق بالفتح وهو هنا الجزم المقصود بالدلالة الالتزامية فيتبين ان الصحيح دخول ذلك في موضوع الكذب وفقا لسيد أساتذتنا المرحوم الخوئي قدس سره.
لا يقال: على هذا المخبر عن قيام زيد المشكوك ان كان خبره مخالفا للواقع فقد كذب كذبين لمخالفته لواقعين واقع الاعتقاد وواقع قيام زيد وان كان موافقا للواقع فقد كذب كذبة واحدة وحيث ان بطلان ذلك يكاد يكون من الواضحات إذ الكذب في الخبر الواحد لا يتعدد.
لانا نقول: لا مانع من هذا اللازم فأي ضير في ان يكون الخبر كاذبا بلحاظ عدم المطابقة لمدلولين طالما دخل كلاهما في عنوان المخبر عنه ، خلافا للمدلول الالتزامي الذي لا يصدق عليه عنون المخبر عنه وبعبارة أخرى ان هذا الفرض يتضمن بالتحليل خبرين في الواقع وليس خبرا واحدا ولكل خبر صدقه وكذبه فصار تعدد الصدق والكذب معقولا جدا فتأمل.
فتحصل مطلبان احدهما حرمة الاسناد والاخبار الجزمي مع الشك ، دخل ذلك في موضوع الكذب او لم يدخل فيه.
والمطلب الاخر دخول ذلك في الكذب فتشمله ادلة حرمة الكذب ثبتت حرمة هذا الفعل بدليل آخر غير الكذب كما فعلنا او لم تثبت كما لو لم يقبل بدلالة الاية وعدم القبول بتمامية الروايات.
فاثبات دخوله في موضوع الكذب يثبت حرمة الفعل باعتباره كذبا ويصبح ذلك دليلا مستقلا على حرمة هذا الفعل.
بعض كلمات الاعلام
1- وأما الاخبار عن الأمور المستقبلة جزما ، فيقع البحث عن حكمه تارة من حيث القاعدة وأخرى من حيث الرواية .
أما بحسب القاعدة ، فقد يكون المخبر عن الحوادث الآتية شاكا في وقوعها في مستقبل الزمان ، وقد يكون جازما بذلك . أما الأول فلا شبهة في حرمته لكونه من الكذب المحرم ومن القول بغير علم . مصباح الفقاهة - ج 1 - ص 642.
2- نعم إذا استند المخبر عن تلك الأمور إلى الظنون غير المعتبرة عقلا وكان كلامه ظاهرا في الاخبار الجزمي كان الاخبار حراما من جهة الكذب.
مصباح الفقاهة - ج 1 - ص 392 – 39.
3- 693 . السؤال : ما حكم التنجيم وقراءة الطالع والكف ، وما حكم الذهاب إلى من يمتهنون هذه المهنة لغرض قراءة الطالع والكف عندهم ؟
الجواب : لا أساس له في الشرع والإخبار من دون علم حرام ولا يحرم مراجعتهم في حد ذاته.
استفتاءات - السيد السيستاني - ص 180.
4- نعم يحرم الاخبار بغير علم عن هذه الأمور وغيرها مطلقا.
منهاج الصالحين - السيد السيستاني - ج 2 - ص 12.
تطبيقات
1- الكهانة بنحو الاخبار الجزمي عن المغيبات بزعم انه يخبره بها بعض الجان فتكون محرمة بدون حاجة لدليل مستقل على حرمتها لعدم العلم بالمخبر به.
2- التنجيم وهو الاخبار عن الحوادث ، مثل الرخص والغلاء والحر والبرد ونحوها ، استنادا إلى الحركات الفلكية والطوارئ الطارئة على الكواكب ، من الاتصال بينها ، أو الانفصال ، أو الاقتران ، أو نحو ذلك ، فمثل هذا الإخبار الجزمي غير المستند للعلم يدخل ضمن تطبيقات كبرى حرمة الكذب او حرمة الاخبار بدون علم.
3- الفال بطرائقه المختلفة بأن يخبر صاحب الفال عن امور جزمية بزعم استفادة ذلك من الطير او الاوراق او كتاب الفال او غير ذلك.
4- الاوارق الورقية او الالكترونية التي يزعم كاتبها ان من يكتبها سبع مرات وينشرها سيرى كذا من الخير في مستقبله وان من يهملها سيصيبه كذا من الشر داخل في القول بغير علم وفي الكذب فيكون فعلا محرما.
5- تفسير الاحلام بالاخبار الجزمي بالمستقبل حيث ان الرؤيا لا تولد يقينا فلا يجوز الاخبار الجزمي بحوادث المستقبل ووقائعه بناء على الرؤيا والاحلام لعدم توفر اليقين.
6- الاخبار عن اجتهاد وفقاهة زيد من الناس او اعلميته مع عدم العلم بذلك فيدخل في الاخبار بشيء غير معلوم بل في الكذب.
7- اخبار الوكيل في الاستخارة بالقرآن او غيره عن نتيجة الفعل المستقبلي وانه سيكون خيرا او شرا ربحا او خسارة مرضا او شفاء ونحو ذلك من الانباء فالاخبارات الجزمية محرمة وداخلة في الكذب لعدم العلم بالمستقبل الغائب.
وفتح المصحف الشريف او أي كتاب آخر ليس طريقا للعلم لا عقلا ولا عقلائيا ولا شرعا فليس هناك أدنى دليل على استقاء العلم بالمستقبل من خلال الاستخارة او التفأل بالقرآن الكريم او غيره.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه ورقة اعدت لحديث يوم الجمعة وليس كل ما فيها يطرح في المسجد فالنكات والآراء العلمية لا تنقل في الالقاء الشفوي بل قد تضاف اشياء تناسب جو الالقاء فليس كل ما يقال في حديث الجمعة مذكور في هذه الورقة كما انه ليس كل هو مكتوب في هذه الورقة نقل للمستمعين.
كما اود ان اسمع من الفضلاء التعليق والمناقشة للنكات العلمية فهي ليست للعمل كما ان تبنيها أولي وليس نهائيا والله الموفق.

ليست هناك تعليقات: