السبت، 30 أغسطس 2008

سؤال وتعليق

سماحة العلامة السيد علوي الموسوي البلادي دامت إفاضاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أثار موضوعكم المنشور في مدونتكم حول تعدد بداية شهر رمضان جدلا في بعض المنتديات ومنها ملتقى البحرين وسأنقل لكم بعض تلك المداخلات راجيا من سماحتكم التعليق عليها مع الشكر الجزيل لكم

(أنا أقترح بأن يتفق العلماء على الإجتماع بشكل موحد لرصد الهلال على أن لا يبدي المخالفون لرأي الأغلبية رأيهم بل يحتفظون به لأنفسهم و يعملون به كتكليف شرعي لهم و لا يعلنونه من أجل وحدة الهلال ووحدة الطائفةو هذا برأيي هو الحل العملي.
لأن بصراحة صرنا مسخرة للي يسوى و اللي ما يسوى و شفوا تعليقات منتدى مملكة البحرين الطائفي على تعدد الهلال عندنا.)

الداعي لكم بكل خير................

بسمه تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حقا لقد تحول المنكر معروفا والمعروف منكرا

أخي الكريم توحيد الناس في أول الصيام والفطر وباقي المناسبات نابعة من الأهواء السياسية للحكام المستبدين الذين يخططون لتأميم المؤسسة الدينية وإلغاء استقلالها واستقلال الناس في عباداتهم فما فتئت أبواق السلطات العربية والاستبدادية في النعيق بضرورة ذلك التوحيد في الصوم والعيد اما اصل توحيد الله وعبادته باستقلال العبد فهذا لا يهم ولا بأس بضربه لصالح السياسة فقد أثرت وسائل الإعلام في قلب المعروف منكرا والمنكر معروفا مع الأسف الشديد ولا ينقضي عجبي من تخيل الناس ضرورة الاتفاق على بداية الصوم والفطر في حين تسعى بعض السلطات لتكريس التفرقة والتمييز الطائفي من أوسع أبوابه لماذا لا يوحدوا معاملتهم مع المواطنين ولا يميزوا بينهم على أساس المذهب والعقيدة السياسية؟

ولكن يهمهم جدا توحد المواطنين في طاعة السلطان حتى في بداية الصوم والفطر.

ان حكام زماننا أسوء من حكام بني أمية حيث لم يلزموا الناس برأي السياسة في إثبات الهلال كما يتضح من خلال القصة التي نقلناها في المقال اما في زماننا السيئ فعلينا ان نوافق على كل ما تطلبه السياسة وان كانت ضد الدين والقيم.

قراءة سريعة في تاريخ المسلمين تكشف كما أوضحنا في مقالنا كيف كان المسلمون على اختلاف مذاهبهم يتعاملون بالتعدد كحالة طبيعية دون نكير.

والاتجاهات الفقهية عند مذاهب أهل السنة واضحة جدا في اختلاف وسائل إثبات الهلال ولكن تم تغييب كل تلك الآراء وإذابتها في مؤسسة رسمية تزيح آراء المذاهب وتفرض رأي الحنابلة على غيرهم والآن يراد للشيعة ان يلتحقوا بالركب وحينها لن تسمع باختلاف مع إطلالة مصادرة حرية الناس الدينية وتأميم المؤسسة الدينية.

ولأعلق بشكل سريع على الاقتراح الذي نقلته بما يلي:-

إذا اجتمع العلماء واختلفوا في ثبوت الهلال فما هو اقتراحك هل يعلن ثبوت الهلال عند المجتمعين؟ أم عند الاكثرية؟ كيف سيتم الإعلان؟

ثم إذا انقسموا بالتساوي ما هو العمل؟

وإذا ثبت الهلال عند الأكثرية مثلا وكان رأي السيد الوداعي حفظه الله أو الشيخ عيسى قاسم رعاه الله مثلا عدم ثبوت الهلال فما هو العمل هل يرفض إقامة صلاة العيد؟ وكيف يتكتم على رأيه وما هو العمل؟

وإذا خرج احد العلماء برأي مخالف وسأله بعض الناس عن رأيه ماذا يقول لهم؟

لنفرض اجتمع العلماء وتمت رؤية الهلال بالعين المسلحة (بالمنظار) دون المجردة والمراجع مختلفون في كفاية ذلك في الإثبات وعدمه فهل يصح شرعا ان يورطوا الناس أو ان يبينوا لهم ثبوت الهلال حسب مقلدي القائلين بكفاية الرؤية بالمنظار وعدم ثبوتها حسب مقلدي غيرهم؟

حالة أخرى:

رؤي الهلال مطوقا فهو دليل على انه لليلة الثانية عند بعض الفقهاء كالسيد الخوئي رحمه الله تعالى ولكنه ليس دليلا على ذلك عند آخرين كالسيد السيستاني حفظه الله فما هو اقتراحك في هذه الحالة؟

اما قولك (صرنا مسخرة للي يسوى و اللي ما يسوى و شفوا تعليقات منتدى مملكة البحرين الطائفي على تعدد الهلال عندنا)

فهذا سببه أنهم سلموا للحكومة فهم يسخرون من كل من لا يتابعها وإلا فمذاهبهم الفقهية مختلفة جدا في وسائل الإثبات كما اوضحناه والمطلوب هو انصهار المؤسسة الدينية في هوى السياسة لتحكم الدين وتطويع قرارات الدين لتكون رسمية على مقاس هوى السياسيين يقرون ما يشاؤن ويتركون ما يشاؤن وقد نجحوا في صهر المؤسسة الدينية وبقي أتباع مدرسة أهل البيت.

الأربعاء، 20 أغسطس 2008

التعددية في بداية شهر رمضان

فكرة قيام لجنة شيعية أو سنية أو مشتركة بينهما لتوحيد الهلال والمناسبات لا تروق لي ولي عليها تحفظ فلست أغالي إذا ما قلت:

فكرة توحيد المسلمين بداية شهر رمضان وعيد الفطر والأضحى ربما تنطلق من الفكر الشمولي الذي ابتليت به هذه الأمة ففي السياسة ترى اعتماد آلية الإجماع في المؤسسات العربية والإقليمية لاتخاذ القرار على مستوى الدول المشاركة في تلك المؤسسات.

وفي داخل الدول المتأخرة لا ترى سوى دعاوى الإجماع أو إذا حصل تواضع فنسبة الذين صوتوا للرئيس معروفة (تسعة وتسعين فاصلة تسعة).

وهكذا معارضة سياسات الحكومة (الرشيدة) شق لعصا الطاعة وخروج عن الجماعة فلله الحمد والمنة لا معارضة لحكومات دول العالم الثالث فالكل متفق مع وجهة
النظر الرسمية وكل شيء على ما يرام وعلى كل مواطن ان يقدم فروض الطاعة والولاء للحكومة وان يصبح شاكرا لها ويمسي حامدا على جزيل النعم التي تسديها له.

اجل هذه هي الوحدة وهكذا يراد لها ان تكون.

ومن ضمن افرازات مثل هذه الثقافة فكرة توحيد تحديد بداية شهر رمضان أو العيد فيجب ان تكون رسمية وعلى الجميع ان يسير في الركب ولا يغرد خارج السرب.

ولكن هل هذه الثقافة نابعة من الإسلام وتعاليمه وسيرة السلف الصالح؟

لا أجدني مجافيا للحقيقة إذا قلت بأنها غريبة على الإسلام وعلى منطق العقل وان ثقافة الإسلام تؤسس للتعددية في هذا المجال كأحد أوجه التعدد الفكري الذي نشاهد دلائله وشواهده في تعاليم الإسلام.

وفي هذا الصدد أود ان أؤصل التعددية إسلاميا في فكرة الهلال وبدايات الأشهر الهلالية ونهاياتها من خلال الشواهد التالية:-

1- أوكل النبي الأكرم (ص) تحديد الصوم والإفطار بآلية رؤية الهلال بحسب الشخص المكلف بالصوم وليس بحسب هيئة دينية أو حكومة سياسية وهذه الآلية تنتج اختلاف المكلفين في إثبات وتحديد الهلال وبالتالي بداية الشهر والعيد في حين تتوفر آلية أخرى يعلم بها المشرع تبارك وتعالى ولكنه تركها ولم يعمل بها فلم يسن آلية تنتج يوما محددا عند جميع المسلمين بداية الشهر ونهايته بحيث لا تكون قابلة للاختلاف كما هو الحال في تحديد الشهور الشمسية بداية ونهاية فهي دقيقة لا مجال فيها للاختلاف نهائيا كما يترائى.

والشهور الهلالية يمكن ان تأخذ نفس منحى الدقة فيما لو وضعت آلية غير قابلة للاختلاف على سبيل المثال ان يكون كل شهر فردي ثلاثين يوما وكل شهر زوجي تسعة وعشرين يوما أو العكس هذه الآلية لو اقرها المشرع تبارك وتعالى لما كانت تنتج سوى اتفاق جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الشهور ومناسباتها.

ومن المؤكد الذي لا ريب فيه ولا شك يعتريه أن تأسيس قاعدة موحدة للاتفاق لم يكن خافيا على المشرع تبارك وتعالى فهو علام الغيوب وعالم السر والنجوى.

فلماذا شرع بدلا عن ذلك قاعدة الرؤية البصرية (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) مع العلم بان هذه الآلية واضحة في إنتاج الاختلاف إذ لا يتفق الناس على الرؤية إثباتا ونفيا مضافا إلى الاختلاف الفقهي المتشعب في وسائل إثبات بدايات الشهور القمرية هذا الاختلاف ناشئ هو الآخر من الآلية التي وضعها الإسلام في رسم طرق الاجتهاد وخلق عوامل الاختلاف في نتائج الاستنباط وبالتالي لا يمكن إرجاع الاختلاف إلا لمن أسس أسبابه وخلق أرضيته وليس ذلك إلا المشرع تبارك وتعالى.

فعلى سبيل المثال هناك اختلاف بين المسلمين في وسائل إثبات رؤية الهلال فالفقيه المعتمد والقاضي لدى الدولة العباسية أبو يوسف ابرز تلامذة أبي حنيفة لا يقبل الشهادة برؤية الهلال في حال صفاء الجو إلا من جماعة يحصل للقاضي العلم بشهادتهم وقدر عددهم بعدد القسامة خمسين رجلا.

وفي المقابل يرى ابن حنبل وأتباعه ثبوت هلال شهر رمضان بشاهد واحد وهلال سائر الشهور بشاهدين حتى في حال صفاء السماء وعدم ادعاء رؤية الهلال إلا من شاهد واحد بالنسبة لهلال شهر رمضان أو شاهدين لهلال غيره من الشهور.

فإذا كانت السماء صافية وشهد شاهد برؤية الهلال فان ابن حنبل وأتباعه يثبتون الرؤية وبداية الشهر بينما لو شهد أربعون رجلا في نفس الظروف فان قاضي الدولة العباسية أبا يوسف لا يأخذ بهذه الشهادات ولا يثبت عنده الهلال.

وعند الشيعة الإمامية اختلاف فقهي في آلية حكم الحاكم الشرعي لإثبات الهلال وبداية الشهر هل يثبت بها الهلال أم لا مما يعكس اختلافا في النتائج حسب اختلاف النظرة الفقهية لهذه الآلية اجتهادا وتقليدا.

وهناك اختلاف آخر في آلية التطويق هل هي دليل على انه لليلة الثانية أم لا؟

مضافا إلى الاختلاف في إثبات واقع الرؤية نفسها كتطبيق بغض النظر عن النظرية وما يحف بها من اختلاف بشأن قيود الرؤية فمسؤولية الاختلاف هي مسؤولية الآلية ومسؤولية الآلية مسؤولية مشرعها تبارك وتعالى.

2- عاش كثير من المسلمين على فكرة التعددية بحيث يعمل كل إنسان حسب قناعته بإثبات رؤية الهلال دون حساسية أو حزازة فقد روى ابن حزم في المحلى قصة طريفة وجعلها شاهدا على فتواه بتعددية الوقوف بعرفات حسب القناعة بإثبات رؤية الهلال فقد قال:

فان صح عنده بعلم أو بخبر صادق ان هذا هو اليوم التاسع إلا أن الناس لم يروه رؤية توجب أنها اليوم الثامن ففرض عليه الوقوف في اليوم الذي صح عنده أنه اليوم التاسع وإلا فحجه باطل لما ذكرنا.

روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمر بن محمد قال: شهد نفر أنهم رأوا هلال ذي الحجة فذهب بهم سالم (وهو بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ويعد من كبار فقهاء المدينة) إلى ابن هشام (وهو إبراهيم بن هشام المخزومي) وهو أمير الحج (في عام 105هـ) فلم يقبلهم فوقف سالم بعرفة لوقت شهادتهم، ثم دفع فلما كان في يوم الثاني وقف مع الناس. المصدر المحلى لابن حزم الجزء 7، ص192.

فهذه القصة في العصر الأموي تدلل بوضوح على التعددية وقبول الاختلاف فلا تفرض وجهة نظر احد على آخر.

فالحاكم السياسي الأموي لم يقبل بالشهادة فوقف فقيه المدينة مع جماعته بحكم ثبوت الرؤية عنده بحسب الشهود بينما سائر الناس وقوفهم كان باليوم التالي ووقف معهم مجددا لمجرد الاجتماع مع الناس وليس للتعبد بالوقوف بعرفة.

3- لا يمكن لسكان الأرض ان يوحدوا احتفالاتهم في يوم مشترك بالحساب الشمسي رغم دقته فضلا عن الهلالي فرأس السنة مثلا يكون متقدما وسابقا في المناطق الشرقية كنيوزيلندا واستراليا واليابان.

بينما يتأخر في المناطق الغربية كالقارة الأمريكية والفارق بين استراليا مثلا والولايات المتحدة الأمريكية نحو ثمانية عشر ساعة فبينما يكون يوم السبت في استراليا مثلا يكون الجمعة في أمريكا فوحدة يوم رأس السنة بالاسم فقط إذ واقع الحال تعدد اليوم إذ لا يحتفلون في نفس الوقت ففي الحقيقة يتعدد رأس السنة بتعدد مشارق الأرض المختلفة من حيث الزمان فهذا التعدد الطبيعي آية جدير بالناس ان يقرؤها جيدا فليست هناك آلية عملية لتوحيد الناس في مناسباتهم واحتفالاتهم ربما حتى نتذوق الاختلاف ونستمرء التعدد ولا نستوحشه فالاختلاف والتعدد سنة الحياة.

4- إذا اتضح رجوع المسألة لآلية تحديد بدايات ونهايات الشهور القمرية والتي هي آلية شرعها الإسلام وبعد الفراغ عن أن الفقهاء ليس لهم صلاحية التشريع أو تغيير التشريع أو تبديله فالسؤال الحقيق بالطرح هو لماذا سنت آلية تنتج الاختلاف ولماذا قننت قاعدة تؤدي كمقدمة إلى نتائج معلومة سلفا؟

ولهذا السؤال بنظري جوابان احدهما يقيني والآخر مجرد أطروحة لا تحمل صفية اليقين:-

اما الجواب الاول فهو ان تشريع هذه الآلية ينطلق حتما من حكمة واقعية نشأ عنها هذا التشريع لوضوح انه تعالى حكيم لا يشرع شيئا يخالف موازين الحكمة قيد شعرة.

ولكن السؤال ما هي هذه الحكمة؟

فالجواب عليه هو الأطروحة الموعودة وباختصار أقول:

بما أن غالب الناس تفكر بطريقة العقل الجمعي كما يسميها علماء النفس بما أن لهذه الطريقة آثارا سلبية على التفكير الموضوعي وبالتالي الوقوع في الخطأ نتيجة إتباع الآخرين خصوصا مثل الآباء والشخصيات المؤثرة (الكارزمية).

لذلك يؤسس الإسلام لتشريعات كثيرة تهدف لكسر طريقة التفكير الأحادي وتحرره من التبعية وتجعله يقبل الاختلاف بروح متسامحة فهو يريد منا أن نقبل من يختلف مع قناعاتنا مهما كانت واضحة عندنا حتى لا نصاب بهوس الكراهية للآخر فهو أسلوب عملي لترويض النفوس وتعليمها على التكيف مع سنة الاختلاف.

قال تعالى:

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) هود – 118.

فخلق الاختلاف في المشارق والمغارب فلا يتحد الناس في أوقات المناسبات كما صمم العقول بطريقة لا تتفق رؤاها ولا تتحد أفكارها.

فما أحرى بنا ان نقبل الاختلاف بروح منفتحة ولا تغلبنا العصبية ونار (الوحدة) على غرار نظام الحزب الواحد في مقابل نعيم التعدد الذي يرفل فيه سكان الدول المتقدمة.

الخميس، 19 يونيو 2008

بيان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى وصلاته على نبيه المصطفى وآله النجبا

وبعد فان التمييز الفاضح والظلم المنتشر لطائفة واسعة من المواطنين في دينها ودنياها آخذ في التوسع بما لا نعرف له حدا.

وما زيادة نعيق الغربان وارتفاع سلاطة اللسان على سماحة العلامة الشيخ عيسى احمد قاسم إلا مظهرا من مظاهر خطط الخلية البندرية التي تستهدف سلامة الوطن والزج به في معارك تضر بمصالح أبنائه.

لقد بلغت الراوائح النتنة للخلية السرية البندرية أوجها ولا زال المسئولون لا ينزعجون من هذه الروائح الكريهة.

فالهجوم الشرس والتعدي الوقح على سماحته بما يمثله من تاريخ طويل من العمل المخلص للدين والوطن وبما يمثله من رمزية واحترام وبما يمثله من معارضة سلمية للسياسات الخاطئة ليس تعديا على شخص سماحة الشيخ وحسب بل هو تعدي على كافة المواطنين وجرح عام لمشاعرهم.

أضم صوتي للأصوات الصادقة وأؤكد على الدعوات المخلصة بالتلاحم الوطني لجميع المواطنين باختلاف مذاهبهم وانتماءاتهم الفكرية والوحدة ضد الخلايا البندرية التي ستخرجنا من نار التمييز والإقصاء الذي لا يطال لهبها المبعدين فحسب بل تهدد بلهبها جميع من يعيش على هذه الأرض الطيبة.

14 جمادى الثانية 1429 هـ الموافق 18-6-2008

علوي بن سعيد الموسوي البلادي

الاثنين، 9 يونيو 2008

المزيد قادم فانتظرو

تحدثنا في المقال السابق (انتظار السراب) عن تمسك الظالم والمستبد بالامتيازات والصلاحيات على حساب الأمة وان منطق المعادلات يقضي ببقاء ما كان على ما كان حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.


وحين تتعالى الأصوات المنادية بالحقوق وحين تتواصل الاحتجاجات على السياسات الجائرة فليس من السهولة حصول تنازل سريع لينال الناس حقوقهم على طبق من ذهب فلا تكتسب الحقوق إلا بعد جهاد طويل وإصرار على الممانعة ومواصلة طريق ذات الشوكة.


فأول ما ربما يفكر فيه الطغاة أسلوب القبضة الحديدية وزيادة إقصاء الجماهير عن حقوقها، حتى يرتدع الناس عن جريمة المطالبة بالحقوق ويفكر ألف مرة كل من تسول له نفسه الاعتراض على ولاة الأمر.


ثم بعد طول المواجهة يفكر الطغاة بأسلوب دفع الرشوة للمعارضين كتأمين للحفاظ على ملك رقاب العباد والبلاد فإذا لم ينفع هذا ولم يجد ذاك يتم اللجوء إلى أسلوب الكر والفر والمراوغة تماما كما يفعل المحارب المحترف في الميدان فتتم المناورة بصور شتى لخداع الرأي العام.


انه أدهى أسلوب يمارسه الطغاة المستبدون للقفز على المطالب ونهب الحقوق والتمادي في سفك الدماء وهتك الأعراض وإحكام القبضة على مفاصل الدولة وممتلكات الشعب وحقوقه.


كمواطن مراقب للتاريخ الموثق لماضي الحكم وممارساته الحاضرة التي شهدنا كثيرا من فصولها أرى ان التاريخ يعيد نفسه وان كل ما شهده أسلافنا وما عانى منه الجيل بل الأجيال السابقة والمتلخص في مناورات مارسها الحكم لم يتحصل الوطن منها على ما يستحقه من أدنى مقومات العدل وابسط درجات الحقوق.


هذا المشهد يعاد استنساخ جيناته على جسد امتنا مع تغيير في الإخراج يتناسب مع المرحلة مستفيدا من تجارب السلف.


فالمشروع اللقيط سنة (2002) المسمى زورا بالدستور مع مسعفاته من تركيب فاقع التمييز للدوائر وتصميم محكم للائحة الداخلية وممارسة لا تلتزم السلطة حتى بنفس المبدأ الذي تسنه فغني عن البيان ان هذا المشروع ليس سوى مناورة ذكية وذرا للرماد في العيون فهو أكبر خادم للنظام وأعظم تصميم لا يحافظ على سلب الحقوق فحسب بل يرسم خارطة لتعزيز صلاحيات النظام وزيادتها وإعطائها الصبغة القانونية.


لن أسرد أمثلة يعرفها الجميع مكتفيا بمصيبة المصائب سرطان التجنيس السياسي لتغيير التركيبة الديموغرافية الذي يفتك بجسد الوطن حصل على غطاء قانوني دستوري أعلى من الغطاء القانوني العادي.


لا أجدني بحاجة لشرح فكرة غاية في الوضوح تتمثل في استحالة تغيير بمقدار ذرة في المشروع اللقيط لمنحه أعلى الضمانات للمحافظة على استمرارية خدمة نظام الحكم بامتياز ومع ذلك لا يمل النظام و (عرابوه) من الدعوة إلى (إياك إياك أن تبتل بالماء) مع (إلقائنا في اليم) فلا يفتئون يكررون إمكانية التغيير من الداخل الذي أثبتت بعض الضمانات قدرتها الفائقة على المنعة من أي تغيير طفيف وبقيت سائر الضمانات لم تستعمل بعد وتم ادخارها لليوم الأسود.


وبالنسبة للمراقبة والمحاسبة التي طبلوا لها حتى صمت آذاننا وأصبنا بالغثيان فلم يملوا من الزعم أنها سلطة يمكن من خلالها تحقيق شيء ما فقد ثبت خواؤها تماما


حتى بات الأمر أجلى من الشمس وأبين من أمس.


النتيجة التي آل لها وضعنا بعد تحقيق سمعة دولية جيدة للنظام وانه نظام يضارع أعرق نظم المملكات الدستورية وبعد زيادة جرعة الكذب الفاخر بان هذا النظام يتفوق في الفضل على دول العالم كافة.


النتيجة هي تمكين الطائفيين الظلاميين من مفاصل الدولة.


واشغال المواطنين بمماحكات طائفية.


ونفي الولاء للوطن عن طائفة كبرى من المواطنين واعتبارها دخيلة ومرضا سرطانيا.


نهب كامل لثروات الوطن من الأراضي والبحار والنفط ومال عام.


تجنيس مخيف يتم به إذابة السكان الأصليين.


عودة لأساليب الاعتقال السياسي والتعذيب المنهجي المنظم للنشطاء السياسيين.


وغير ذلك الكثير مما يشيب له الولدان.


كل ذلك حصل في فترة قياسية والآتي أعظم.


لتروا المزيد انتظروا إني معكم من المنتظرين.


الخميس، 5 يونيو 2008

انتظار السراب

إدراك أن الحكم الظالم لن يتخلى عن الكثير من ظلمه بدون ضغط أو مقابل لا يحتاج لذكاء فالظلم والفساد المستشريان في مفاصل النظام يغذيهما أطماع جحافل الجشعين المستفيدين من الاستئثار بالمال والقوة والسلطة والنفوذ والامتيازات.

فمادام كل شيء على ما يرام فلماذا يتكرم بإشراك الآخرين في الحكم؟

ومادامت مجريات الأمور تسير وفق سيناريوهات مريحة للمتسلطين فما الذي يدفعهم للتبرع بالتنازل عن بعض صلاحياتهم وامتيازاتهم؟

اما عدم رضى أغلبية المواطنين على الحكام فلا يهم بعد ما يعوض عنه بقصائد مديح الشعراء وبالخطب الرنانة لأئمة المساجد الذين يحصلون على الحبوة الخاصة من المال العام وليرض من يرض ويغضب من يغضب فرضى الناس غاية لا تدرك.

رضا الجماهير الذي يسلب صلاحية سرقة الأراضي ونهب الثروات لا خير فيه من زاوية المصلحة الشخصية لأصحاب الدماء الزرقاء.

أتذكر مقولة فيلب رادوك وزير الهجرة في حكومة جون هاورد اليمينية المحافظة في استراليا أواخر تسعينيات القرن الماضي أبان ارتفاع نسبة هجرة العراقيين وسواهم لاستراليا عن طريق البحر قال ما معناه:

(نريد لاستراليا سمعة سيئة) وذلك عقب طرح مشروع قانون جديد للهجرة يشدد على المهاجرين ويحد من قدوم المزيد منهم في خطوة جعلت توقيع استراليا على معاهدة اللجوء على المحك.

حزب الأحرار الحاكم آنذاك سعى بكل جد لخلق سمعة سيئة لاستراليا لا لشيء إلا للحد من الهجرة حتى لا يشارك الآخرون من المهاجرين الاستراليين العيش في استراليا رغم كونها قارة مترامية الأطراف.

ولم تثن الحكومةَ كلُ الصيحات والانتقادات الداخلية والخارجية بما فيها نداءات الأمم المتحدة، فمضت في خططها وتغيرت قوانين الهجرة بجرة قلم.

وهكذا سوء السمعة يصبح كبريتا احمر يحرص الحكام على اقتنائه طالما حافظ على الامتيازات.

لست في وارد انتقاد نظام الحكم في استراليا كما لا يعنيني تغيير قوانين الهجرة بتلك البلد فالنقطة المستهدفة هي لا أبالية (سوء السمعة) في مقابل الحصول على الامتيازات.

فهناك فارق جذري بين الوضع في استراليا وبين الوضع في مثل بلدنا فالأولى تدار بالآلية الديمقراطية بينما الأخرى تفقد أبسط حقوق المواطنة وتدار بأسلوب قبلي بالي.

فكأني بنظام الحكم في البحرين يسعى لإسخاط المواطنين وتسجيل سوء السمعة له من اجل ان لا يشارك المواطنون في الحكم والقرارات حتى لا ينالوا حقوقهم و لا يحصلوا على نصيبهم من الثروة وهكذا.

وفي الوقت نفسه يتم تسخير وسائل الإعلام لخداع العالم على خلاف ما يدور في البلد فيتخيل المتابع ان البحرين ليست سوى المدينة الفاضلة.

لست اكشف سرا في شيء مما مضى فهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.

فإذا كان ما مضى واضحا جليا يوافقني القارئ العزيز عليه فان ما لا يحتاج لتأمل هو ان قبولنا بلعبة النظام دون أدنى مقاومة ستصيبنا بالعمى والانتظار لسراب معلقين آمالنا على أوهام تخدرنا.

وللحديث تتمة.

الخميس، 22 مايو 2008

العيش المشترك

الحكم الصالح في بلد ما يعم خيره جميع المواطنين دون تمييز مذهبي أو طائفي أو قبلي أو نحو ذلك.

واذا تحقق ذلك يقدر المواطنون قيمة مواقف القوى السياسية بمدى ما تفرزه من نتائج ومصالح او مضار للجميع بغض النظر عن الانتماء الطائفي والقبلي وغيرهما.

وفي هذه الحالة يسلم الدين والمذهب من التجاذب والاساءة الذين لا يرتبطان به، فيتحالف أصحاب الديانات المختلفة والمذاهب المتنوعة على أساس من التوافق في رؤية معينة تشكل مصالح مشتركة مع احتفاظ كل صاحب دين ومذهب بخصائصه.

فالقضايا السياسية التي يختلف الناس فيها أغلبها لا ترتبط مباشرة بمبادئ الاديان والمذاهب، بل لها علاقة بتوزيع الثروة والعدالة الاجتماعية وتحقيق المصلحة العامة ونحو ذلك من عناوين تتوافق عليها الاديان والمذاهب غير ان الاختلاف في الطريق والتقدير والقراءة وهي أمور في غالبيتها لا صلة لها بالاديان والطوائف بشكل مباشر.

اما حين ينتهج الحكم تمييزا صارخا على أساس المذهب والطائفة بين المواطنين كما هو حال الحكم في البحرين فان الفرد يتبرمج ولائه السياسي للطائفة وزعمائها الدينيين والسياسيين بصورة تلقائية.

ببساطة لانه يرى في الطائفة مدافعا عن وجوده ومصالحه ويغيب عن ناظره أي خطأ قد يقع فيه بعض زعماء الطائفة المشتغلين بالسياسة لان الخطأ يساوي فقدان السند والمدافع عن حقوقه فيستميت في الدفاع عنه وتبرير كافة مواقفه.

وفي نفس الوقت لا يرى في مواقف الزعيم من الطائفة الاخرى أي مقاربة للصواب فتصرفات الحكم التمييزية تشكل هاجسا ووقودا لحرب باردة بين الطائفتين أو الطوائف.

هذا الوقود قد يتحول لحرب فعلية مدمرة للجميع كما حدث ويحدث في العراق ودول أخرى.

وهكذا تسود الاجواء المحلية والاقليمة تبعية صنمية للزعيم السياسي المنتمي لهذه الطائفة أو تلك، بدرجة يعتبر فيها هذا الزعيم ممثلا للدين والطائفة في قراءة موقف أو تقدير وضع سياسي معين في حين ان الموقف السياسي او التقدير لحالة معينة لا ترتبط مباشرة بالدين او المذهب فما يحصل عند الشارع العام من أبناء هذه الطائفة أو تلك هو أقرب ما يكون لتوكيل الزعيم في التفكير نيابة عنهم وأن هذه التبعية في الموقف والفكرة تمثل الدين فهو ليس قارئا سياسيا ومقدرا للوضع بما يملكه من تجارب ومخزون فحسب بل هو الناطق الرسمي باسم السنة أو الشيعة أو الدروز أو أي طائفة أخرى ينتمي لها هذا الزعيم.

فالاختلاف معه خروج على المذهب وعدم الاتفاق معه في هذا الرأي أو ذاك طعن للطائفة في خاصرتها.

وهنا تلتبس السياسة بالدين فاذا ما أصاب الزعيم ونجح دل ذلك على صوابية هذا المذهب وحقانيته.

وفي المقابل الويل كل الويل لهذا المذهب اذا ما أخفق الزعيم السياسي الذي ينتمي اليه او أخطأ.

فقد قيل: (الوكيل كالاصيل) ولا تعجب اذا ما شاهدت متحولا هنا أو هناك لطائفة أو متحولا عنها بسبب موقف سياسي.

الاداء السياسي والفكري لهذا التيار أو ذاك ولهذه الشخصية أو تلك يعتمد على قراءة لمعطيات متشابكة ترتبط بالتاريخ ودروسه والحاضر وعبره بالثقافة وروافدها بالحضارة ومنتجاتها الخ ما هنالك.

كما ان العملين السياسي والفكري متشعبان بتشعب المواضيع والاحداث وتنوع القضايا والمواضيع.

ووفق هذين البعدين بعد التشابك المعقد وبعد التنوع الواسع، ما من أحد يخوض غمار السياسة أو الفكر الا ويتعثر هنا أو هناك فما منكم الا واردها حكما مقضيا من ضعف البشر ونقصه.

وعلى هذا الاساس يجب ان لا نجعل من خطأ هنا أو اشتباه هناك مسبة وداعيا للقطيعة والتسقيط الاجتماعي أو التوهين.

ولا من صواب ما دليلا على صوابية المذهب.

ويجب أن يسود الاحترام والمحبة بين الاخوة بدلا من النفرة والقطيعة.

كما يجب من جهة أخرى تقبل النقد من أجل البناء لا بمعنى الموافقة على صحة وجهة نظر المنتقد، بل بمعنى عدم الانزعاج من النقد ومحاولة دراسة النقد لتبين الرأي الصائب، والاعتراف بالخطأ حين انكشافه.

فداء الطائفية اذا ما سمح له بالتسلل يشطر المجتمع ليس الى طوائف متصارعة في الوجود والمصالح فحسب بل الى فئات متفتتة ومتناحرة داخل الطائفة الواحدة فالسنة والشيعة وغيرهم ينقسمون الى تيارات متعددة داخل المذهب نفسه وتتزايد التقسيمات يوما بعد يوم مما يزيد في الضعف والخور ليطال الشرر جميع الطوائف ويحترق الجميع في أتون الفتنة.

وصدق الامام علي بن أبي طالب (ع) حيث قال فيما روي عنه في نهج البلاغة:

(ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور الا عليَ خاصة)

لذا تنبه العلماء والفقهاء للخطر الداهم فسدوا أبوابه وأغلقوا منافذه.

فنرى فقهاء الشيعة رغم أنهم يعتقدون تبعا لائمتهم عليهم السلام ان من أنكر أحد الائمة الاثني عشر فهو كمن أنكرهم جميعا عليهم السلام.

الا ان نظرتهم العملية واقعية فهي تنتقد ولكنها تحترم تخالف وتجل من تخالفه تجادل وتعظم من لا تتفق معه.

برغم ان الاختلاف يمس جانبا عقائديا حساسا جدا.

وبرغم ان المسائل لا ترتبط بالسياسة والشأن العام ولكنهم ادركوا بثاقب نظرتهم ان النزاع يضر بالجميع فهذا شيخ الطائفة رحمه الله تعالى يؤلف كتاب الاختلاف كدراسة مقارنة للآراء الفقهية على المذاهب المختلفة في سعة صدر كبيرة وعدم نفي للآخر مما يؤكد الاعتراف به.

وهذا السيد المرتضى علم الهدى يقارن بين رؤى الشيعة وغيرهم في المسائل المختلفة والمتعددة.

وقد اعتبر الشيخ المفيد قدس سره (متوفى 413هـ) جماعة من الفقهاء الذين لا يتفقون مع العقيدة الامامية الاثني عشرية اعتبرهم من ( الفقهاء الاعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والاحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم)

[جوابات أهل الموصل ص 25 للشيخ المفيد]

منهم سماعة بن مهران واسحاق بن جرير وهما من الواقفة الذين وقفوا على إمامة الامام موسى الكاظم عليه السلام وانكروا إمامة الامام علي الرضا عليه السلام.

وعبر النجاشي – زميل الشيخ الطوسي عند الشيخ المفيد- عن فقهاء ليسوا على عقيدتنا الامامية الاثني عشرية عبر عنهم بانهم من أصحابنا ووثقهم وترحم عليهم ونحا هذا المنحى زميله الشيخ الطوسي أيضا وغيره من فقهائنا الكرام، مع ان عبارة (أصحابنا) لمن لا يعلم تطلق على المتفق عقائديا دون المختلف.

  1. فقد قال النجاشي (متوفى450 هـ) في ترجمة داود بن فرقد:

    وقد روى عنه هذا الكتاب جماعات من أصحابنا - رحمهم الله - كثيرة، منهم أيضا إبراهيم بن أبي بكر محمد بن عبد الله بن النجاشي المعروف بابن أبي السمال. [رجال النجاشي- النجاشي ص 159.]

فقد عد إبراهيم بن أبي بكر من أصحابنا مع أنه من الواقفة، قال النجاشي في ترجمته:

ثقة هو وأخوه إسماعيل بن أبي السمال، رويا عن أبي الحسن موسى عليه السلام وكانا من الواقفة، وذكر الكشي عنهما في كتاب الرجال حديثا شكا ووقفا عن القول بالوقف. [رجال النجاشي ص21]

2- قال الكشي (متوفى 430 هـ 951م) في كتاب اختيار معرفة الرجال:

وكان زرارة هكذا يصلي في الصيف، ولم أسمع أحدا من أصحابنا يفعل ذلك غيره وغير ابن بكير. [اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ج 1 ص 355.]

فان ابن بكير (عبد الله بن بكير) من الفطحية ومع ذلك عده من جملة أصحابنا.

3- وقال في كتاب اختيار معرفة الرجال أيضا:

قال محمد بن مسعود: عبد الله بن بكير وجماعة من الفطحية هم فقهاء أصحابنا. [اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ج 2 ص 635.]

4- قال الشيخ الطوسي (متوفى 460هـ) في الفهرست:

ذكرت كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول فلابد من ان أشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعول على روايته أو لا، وأبين عن اعتقاده وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له، لان كثيرا من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وان كانت كتبهم معتمدة. [الفهرست- الشيخ الطوسي ص 32.]

5- جاء في فهرست الشيخ أيضا:

الحسن بن فضال، فطحي المذهب، ثقة، كوفي، كثير العلم، واسع الرواية والأخبار، جيد التصانيف، غير معاند، وكان قريب الأمر إلى أصحابنا الإمامية القائلين بالاثني عشر.[
الفهرست- الشيخ الطوسي ص 156.]

بل نجد فقهائنا لا يجدون حرجا في الاعتماد على رواة السنة فقد قال الشيخ الطوسي (متوفى 460هـ) رحمه الله تعالى:

عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن دراج والسكوني وغيرهم من العامة عن أئمتنا عليهم السلام. [عدة الاصول ج1، ص 149]

واليوم تتربع فتاوى كثيرة لفقهائنا المعاصرين في رسائلهم العملية مستندة لرواة مختلفين عقائديا مع الامامية الاثني عشرية.

فالاختلاف في مسألة سياسية أو دينة ما لا يوجب القطيعة ولا يصحح البينونة والتشاحن والتباغض.

فهل يضع الكل خلافاته الدينية والسياسية جانبا فلا تتوزع المساجد والمواقع بين التيارات والتوجهات المختلفة؟.

وهل نحلم بأن يضع السنة والشيعة وجميع التيارات الوطنية يدهم بيد بعض لتنتصر مصالح الوطن على المصالح الفئوية الضيقة؟.

الأحد، 18 مايو 2008

سؤال عن مصحف هل هو وقف؟

سؤال
منذ سنه تقريبا ذهبنا للعمرة وحصلنا على مصحفين كهديه من الحرم ولكن كتب على المصحف الاول" وقف لله تعالى "وعلى المصحف الثاني "وقف لله تعالى للمسجد الحرام"
ولم نعلم بهما الا فى البحرين ... فما حكم استعمالهما حيث انى استخدم كثيرا المصحف الاول في دراسه التجويد وادون عليها ملاحظاتى
علما ان مقلدى السيد السيستاني
------------------------
بسمه تعالى
في نظري يجوز استعمال كلا المصحفين لامارية اليد التي لا اعتبار معها للمكتوب علما ان عبارة (وقف لله تعالى) يقصد منها الوقف في سبيل الله تعالى فلا اشكال في الاول من حيث الاستعمال لانه من ضمن سبيل الله تعالى وانما الاشكال في الثاني والذي أراه حجية امارية اليد بحيث لا عبرة بالمكتوب.
ولكن هذا لا يعبر عن فتوى السيد السيستاني مد ظله وقد ارسلنا الاستفتاء بانتظار الجواب والله العالم.
--------------
بسمه تعالى
جاء الجواب من مكتب سماحة السيد السيستاني بهذا النص:
يجوز الاستفادة منهما.
بتاريخ 7-2-2008

الأربعاء، 7 مايو 2008

متى يكون النقد ذا مردود؟

التكاليف الشرعية الاسلامية تارة تكون شخصية واخرى اجتماعية فالتكليف الشخصي ينطلق من مصلحة تتعلق بالشخص حين امتثاله للتكليف وتفوت هذه المصلحة حين يتخلى عن الامتثال ولكن لا تفوت مصلحة ترتبط بالجسم الاجتماعي بصورة مباشرة فيكون الخاسر بشكل مباشر هو الشخص دون المجتمع ولعل اكثر التكاليف تاخذ هذا الطابع وتتميز بهذه الصبغة.

ولهذا نجد موضوعات الاحكام الشرعية الصرفة يترك تحديدها الى المكلف نفسه بصورة شخصية فعدالة زيد أو عدمها يحددها المكلف نفسه الذي يريد ان يقبل شهادته في رؤية الهلال او يريد ان يصلي خلفه على سبيل المثال.

التكاليف الاجتماعية

اما التكاليف الاجتماعية فمرجعها يعود لمصلحة تعود في الاساس للمجتمع بغض النظر عن الفرد فقد لا تكون هناك مصلحة مباشرة للفرد في امتثال التكليف الاجتماعي بل ربما تكون مصلحة الفرد في عصيان ذلك التكليف ذا البعد الاجتماعي فمن تلك التكاليف الاجتماعية ضريبة الخمس والزكاة ونحوهما فالمصلحة الشخصية البحتة والمباشرة للشخص تقتضي الاحتفاظ بماله الخاص والامتناع عن تسليمه لمستحقيه غير ان دفع هذه الضريبة وامتثالها يعود بالنفع على المجتمع بشكل عام وينعكس خيره على الفرد بصورة غير مباشرة.

والتكاليف الاجتماعية تنبع طرا من مصلحة عامة تدر بخيرها على المجتمع بشكل عام غير ان هذه التكاليف الاخيرة بدورها تنقسم الى قسمين:-

احدهما- تكاليف لها مردود على الاخر مهما تقلص امتثالها فاستيفاء المصلحة يتناسب طرديا مع حجم امتثالها ومثاله الضرائب الشرعية من الخمس والزكاة فلو فرضنا ان امتثالها اقتصر على شخص واحد دفع زكاته لفقير فان هذا الامتثال لا يستفرغ من تحصيل المصلحة فالنفع هنا يستفيد منه الفقير المتلقي للزكاة.

فهذه تكاليف اجتماعية اسميها جماعية وتسميتها بالاجتماعية بلحاظ ان مردودها المباشر يعود على الآخر وليس بلحاظ اشتراط تأثيرها بالتزام المجتمع بها وان كان الالتزام بها يتناسب طرديا مع المنفعة المترتبة على الامتثال.

التكاليف الاجتماعية المجموعية

والقسم الاخر- تكاليف ربما لا يكون لها مردود ما لم تلتزم بها الامة وتشكل ظاهرة على الاقل فالتزام فرد هنا وفرد هناك بها لا يعطيها أي مردود مباشر على المجتمع ومن هنا نستطيع ان نسميها التكاليف الاجتماعية المجموعية.

فتكون الاقسام ثلاثة:- 1- تكليف شخصي 2- وتكليف اجتماعي جماعي 3- وتكليف اجتماعي مجموعي.

ولا نعني بالتكاليف الاجتماعية المجموعية اشتراط ترتب الفائدة عليها بالتزام مجموع افراد الامة بها.

بل يكفي فيها التزام الاغلبية او أدنى منها بمقدار ما يسمى ظاهرة اجتماعية حتى تؤتي ثمارها وتؤثر في المصلحة العامة بشكل فعلي ومباشر.

وليس بعيدا دخول مثل (تواصوا بالحق) و (لا تنازعوا) في ما سميناه بالتكاليف الاجتماعية المجموعية.

فالتواصي بالحق لا يتحقق في حالة وصية المؤمن لغير المؤمن وقبول هذا المؤمن لوصية غير المؤمن.

فبالرغم من تحقق ارسال النصيحة واستقبالها من احد المؤمنين الا ان ذلك لا يحقق مفهوم تواصي المؤمنين بالحق.

ومثل هذا الموقف ليس له مردود على المجتمع نعم له مردود على هذا الشخص وعلى الغير ولكن الغرض الاساس من هذا النحو من التكليف هو تحصيل منفعة تعود للمجتمع بشكل عام.

فحتى يكون لمبدأ التواصي بالحق مفعولا ايجابيا يتحتم التزامه من الجميع بدرجة لا تقل عن الظاهرة حتى يمكن اقتطاف الثمرة.

ولعل احدى مميزات التكليف الاجتماعي المجموعي الخطاب القرآني حيث يظهر منه توجه الخطاب للامة بما تحمله من صفة اجتماعية وفي موضوع التواصي حيث لم يكن المطلوب والمصلحة الاساسية شخصية.

وليس المستهدف التزام زيد وامتثال عمرو ومن هنا جاء الخطاب بصيغة (تواصوا) فلو كان الغرض يتم استيفائه من الشخص مهما قل العدد لاكتفى القرآن الكريم بمخاطبة المؤمن ان ينصح غيره ويقبل نصيحة الاخر فالعدول عن هذا الاسلوب لاسلوب مخاطبة المجموع وتوصيف المؤمنين بانهم يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر ونحو ذلك يستنتج منه ان هذا التوصيف يشير الى ان المصلحة اجتماعية وتستوفى حينما تشكل ظاهرة اجتماعية عامة.

على ان هذا الامر لا نعتبره القرينة الوحيدة لتصنيف هذا التكليف بالتكليف الاجتماعي المجموعي لان ذلك يتطلب دراسة مستفيضة وشرحا لا يتناسب وحجم هذا المقال.

فثقافة النقد الايجابي وقبوله لا تعود ذات جدوى اذا كان السائد ثقافد التقليد والتقديس وهكذا تجد الهروب للامام حاضرا بقوة بتقديس الشخص الذي يتم توجيه الانتقاد له فكأن الحقائق توزن بالاشخاص وكأن العدل يتبع الافراد وقيمتهم العلمية او التاريخية.

فلا ينقضي عجبي من مواجهة كل نقد بما يتمتع به فلان وفلان من خصائص أو بتكرار استلزام التوهين الذي لا أفقه له أي انتساب بالنقد البناء.

الأحد، 4 مايو 2008

تواصوا بالحق ولا تنازعوا


 

قال تبارك وتعالى:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَالْعَصْرِ {العصر/1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {العصر/2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {العصر/3}

وقال سبحانه:

ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ {البلد/17} أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ {البلد/18}

التواصي من باب (التفاعل) صرفيا وهذا الباب لا يصح بدون صدور (المادة) من اثنين او اكثر فلا يقال للفرد انه تواصى بالحق لمجرد انه أوصى به فالتواصي عبارة عن ان يُوصِي المؤمن غيره كما انه يُوصَي ومعنى تبادل الوصية ليس اقتصار دائرتها على المؤمنين ليكون المفاد؛ (ليوصِ المؤمن أخاه المؤمن).

بل المطلوب من المؤمن:-

1- ان يوصي بالحق من جهة وهنا متعلق الوصية بالحق غير محدد بالمؤمن أي المطلوب من المؤمن ان يوصي المؤمن وغير المؤمن أيضا،

لوضوح ان الوصية بالحق لغير المؤمن مطلوبة ومحبوبة اما على نحو الوجوب أو على نحو الاستحباب حسب موضوع الوصية بالحق.

2- وان يكون موصى بالحق من جهة أخرى وليس معنى مطلوبية ان يكون المؤمن موصى بالحق هو ان يدعوا الناس لان يوصوه بالحق كلا،

كما ان الوصية بالحق من زيد لعمرو لا يمكن ان يكلف بها عمرو.

وهكذا تعمد الخطأ لا يمكن ان يكون مطلوبا لهدف وصية الاخرين للمخطئ بالحق.

اذن ما هو معنى ان يكون المؤمن موصى بالحق؟

أقول: معناه ان يقبل الوصية بالحق التي لم يحدد مصدرها فحتى لو صدرت من غير المؤمن عليه ان يقبلها طالما كانت حقا،

بعد الفراغ من ان معنى التواصي هو ان يوصي (بكسر الصاد) المؤمن وان يوصى (بفتح الصاد).

وبكلمة أخرى يرسل الوصية ويستقبلها وهكذا ليس في آيات التواصي شرط صدور الوصية من مؤمن لقبولها

ولا شرط الايمان في مستقبلها فالآية تقول بوضوح ان المؤمنين يوصون غيرهم كما يقبلون وصية الغير.

ولا غرابة في ان يدعو القرآن لقبول الوصية من الآخر وان لم يكن مؤمنا فالحق أحق أن يتبع وكما قيل: (خذ الحكمة ولو من رؤس المجانين).

فمن الضروري ترسيخ مبدأ النقد المتبادل ان ينتقد وان يقبل النقد وبتعبير القرآن الكريم (التواصي بالحق) (والتواصي بالصبر) (والتواصي بالمرحمة).

وهذا المبدأ عام لا يستثنى منه أحد لا يتمتع بالعصمة.

أجل يجب ان يكون النقد نظيفا من الشتم وخاليا من السباب وفارغا من التوهين والتسقيط الاجتماعي.

وكما يوضح القرآن الكريم:

(وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) {الأنفال/46}

فالتنازع والصراع سلوك سيء ذو نتائج سلبية مدمرة وخطيرة تؤدي الى الخسارة العامة ليطال الفشل جميع أطراف النزاع.

والتزاوج بين هذين المبدأين مبدأ التواصي بالحق ومبدأ عدم التنازع يكشف عن زيف مفهوم مغلوط لدى البعض وهو ان النقد لأداء يطال الشأن العام لشخصية ما يساوي هتك حرمتها او اسقاطها او التعدي عليها او محاربتها او التطاول عليها ونحو ذلك من توصيفات تنحرف عن مفهوم النقد البناء او (التواصي بالحق) فالتواصي بالحق مبدأ قرآني لم يستثن أحدا (ارسالا واستقبالا) اذا جاز مثل هذا التعبير.

والهدف منه البناء وليس الهدم فمن الخطأ جدا تفسير النقد والتواصي بالحق بانه استهداف شخصي وهذا النحو من التفسير نتيجة خلطه بين المبدئين

يطالب اما بالغاء مبدأ التواصي بالحق او باستثناء بعض الاشخاص منه ليقتصر دوره على تقديم الوصية بالحق دون قبولها لنفسه فهو يرسل ولا يستقبل.

في حين انه مبدأ قرآني عام لا يستثنى منه أحد.

وهناك من يتبرع بشرط آخر يقيد به اطلاق القرآن الكريم ويخصص عمومه،

فترى من ينبري لمن ينتقد او ينصح طالبا منه التوفر على شرط يسبق تقديم أي انتقاد.

الا وهو تقديم البديل اذا انتقدت الاداء السياسي لفلان من الناس فيجب ان يكون لك برنامج متكامل وخال من العيب والنقص،

قبل ان يحق لك ممارسة النقد.

تماما كمن يحاول ان يستثني بعض الشخصيات ببعض الذرائع من مبدأ النقد والتواصي بالحق.

أقول لمثل هؤلاء:-

اولا- مثل هذه الشروط لم يشرط منها رب العزة والجلال شيئا فالتواصي بالحق والنقد لا يتطلب تقديم برنامج بديل ولا يستثني أحدا

وقد جاء عن أمير المؤمنين (ع) قوله: وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته، وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يُعَاوَن على ما حمَّله الله من حقه"

أجل قد يستثنى المعصوم (ع) فهو يوصي بالحق ولا يوصى به لعصمته رغم ورود عدة روايات تدعو لذلك مثل ما روي عن الامام علي (ع):

(فلا تكفوا عن مقاله بحق أو مشورة بعدل فانى لست في نفسي بفوق أن اخطئ)

فلعل التواصي بالحق لا يستثنى منه حتى المعصوم سلام الله عليه لغرض تعليم الآخرين وتدريبهم على النقد وحتى يبين الامام (ع) الحق ويصحر به،

فلا يبقى سؤال في نفس أحد بدون جواب وذلك لا ينافي العصمة وأيا كان الحال هذه النقطة ليست محل بحث وتحليل في هذا المقال.

وثانيا- النقد في جزئية معينة يعني محاولة اكتشاف ثغرة ليس بالضرورة يملأ فراغها نفس المنتقد فربما يملأها شخص آخر.

فهذا النقد او ذاك يمثل لبنة في عملية البناء الطويلة الشامخة والتي لا تقوم على عاتق بناء شخص أوحدي.

وثالثا- مبدأ النقد والتواصي بالحق يستبطن الاعتراف بالمشاركة في البناء المشترك وانه لا أحد يملك حصرية البناء والوصاية.

ورابعا- الناقد الذي ينتقد ثم يقدم لك حلولا بديلة معلبة وجاهزة على أنها وحدها سبيل الخلاص يخرجك من دائرة وصاية ليدخلك في أخرى

فهو يستثني نفسه من قبول مبدأ التواصي بالحق أي انه ينتقد ولكن لا ينتقده أحد.

فهذا ينافر مبدأ التواصي بالحق الذي يعني فيما يعني الشراكة المجتمعية في البناء على أصعدة مختلفة منها الصعيد السياسي.

فالمطلوب قدر كبير يساهم في وضع محتوياته وطبخها كل من له يد وكل من له وجهة نظر حق يوصي بها.

هذا ويعضد مبدأ التواصي بالحق بمبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبمبدأ الشورى الوارد في القرآن الكريم والاحاديث الشريفة فقد طفحت بالحث على الشورى والمشاورة حتى بلغت حد التواتر.

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) الشورى/ 38. وقال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) {آل عمران/159}

وروي عن الامام أمير المؤمنين علي (ع) انه قال في وصيته لمحمد بن الحنفية: (اضْمُمْ آرَاءَ الرِّجَالِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ) وسائل الشيعة ج12، ص 46.

فما احلى النقد وتقبل النقد بصدر رحب مع الابقاء على أواصر الاخوة والمحبة الايمانية فاختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية.