الاثنين، 3 مارس 2008

(اشراقة إتاحة الشرك)

اشراقات دينية للدفاع عن القرآن الكريم
(اشراقة إتاحة الشرك)
الشبهة: أحجية الخلق: لا يوجد مسلم على وجه الأرض فيما أعلم إلا ويؤمن بقصة خلق الإنسان من طين وأمر الله لإبليس بالسجود ورفض إبليس ذلك وتلك القصة المشهورة.. والقصة كما يعرفها الجميع تدل على أن الله خلق آدم أولاً ثم أمر الملائكة بالسجود له ثم حدث ما حدث من إغواء في الجنة ونزول إلى الأرض ثم ظهور النسل البشري إلى آخر القصة التي وردت تقريباً في تراث كل الأمم بصيغ مختلفة ومنسوبة إلى آلهة مختلفة.. و"ثم" كما يقول أهل اللغة تفيد الترتيب مع التراخي ... ولكننا نجد القرآن في آية أخرى يقول (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم – الأعراف) فهل خلق الله آدم ثم أمر الملائكة بالسجود له ثم جاءت ذرية آدم؟ أم أنه خلق آدم وذريته ثم أمر الملائكة بالسجود كما في آية سورة الأعراف؟
الجواب
إذا كان أمر الله للملائكة بالسجود لآدم بعد خلق البشرية جمعاء فهذا معناه أن أمر السجود لم يتحقق بعد لذلك استنتاج عدم قصد هذا المعنى من الآية لا يحتاج لتفكير أو تأمل وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون المقصود من ضمير الجمع خصوص آدم عليه السلام (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (لأعراف:11)
أي (خلقناك ثم صورناك) لا ادري هل يعتبر صاحب الشبهة نفسه ذكيا استطاع أن يكتشف تناقضا في القرآن الكريم يثبت بشريته وبطلان دعوى النبوة إذا كان هذا النمط من الاكتشاف العجيب صحيحا فلازمه اتضاح بطلان الدعوة المحمدية (ص) لدى كل الأجيال السابقة لا أن يكون الدين الإسلامي من أعظم الأديان.
لا يحتاج اكتشاف مثل هذا التناقض المزعوم لعبقرية متفتقة في القرن الحادي والعشرين الميلادي فلماذا خفي على الأمم السالفة؟
القصة لا تتعدى التذاكي بالجمود على ظاهر النص ثم محاولة زعم التناقض وغاب عن هذا المنهج فنون اللغة العربية وأساليبها المتنوعة في الأداء البلاغي علاوة على ضرورة ملاحظة عدم تفسير الكلام بمعنى واضح البطلان فوضوح بطلان معنى معين قرينة جلية على أنه غير مقصود وان كان هذا المعنى ظاهر اللفظ في نفسه فقولك (بنا الأسد قصرا) واضح في أن الحيوان المفترس ليس هو المقصود بكلمة الأسد.

(اشراقة حدود نور الشمس والقمر)

اشراقات دينية للدفاع عن القران الكريم
(اشراقة حدود نور الشمس والقمر)
الشبهة:هل يضيء نور القمر المجرة والكون المعتم؟
" أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا - وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا " - نوح : ( 71 : 15-16)فهل حقاً ينير القمر السماوات السبع الطباق !!
و هل يضيء القمر المجرة و الكون المعتم بنوره ؟؟؟و ماذا عن الشمس المعطوفة عليه ؟؟؟ هل هي أيضاً تنير الطبقات السبع ؟؟

الجواب
وجود القمر في السماء الدنيا يصحح نسبة وجوده للسماوات السبع فبرغم وجوده في سماء واحدة دون غيرها يصح نسبة وجوده لمجموعة السماوات للارتباط الوثيق بين نفس السماوات فالشخص الموجود في (المنامة) يصح أن يقال بانه موجود في (البحرين) بالرغم من عدم وجوده في كل قرى ومدن البحرين فيقال فلان موجود في البحرين مع انه في بقة صغيرة منها وذلك للارتباط الوثيق بين تلك المناطق وهذا الرابط الجامع بينها يسمى البحرين بل يصح أن يقال بانه موجود في آسيا أو الكرة الأرضية بل يصح أن يقال انه موجد في مجرة التبانة أو الكون فالموجود في الجزء موجود في الكل الجامع لذلك الجزء.

اما النور فهو للأرض وليس للسماوات فلم تقل الآية الكريمة نورا للسماوات أو الشمس سراجا للكون فقوله تعالى: (وجعل القمر فيهن) بمعنى أوجده في السماوات ولم تنسب الآية نور القمر أو سراج الشمس لتمام السماوات.

انزل الله القران الكريم هداية للعالمين وليس كتابا في علم الفلك وأسرار الكون اجل لا يمكن أن يقدم القران الكريم معلومات كاذبة فكان الغرض بيان مخلوقات الله ونعمه على الإنسان فلا يهم بيان حدود إضاءة القمر والشمس خصوصا انه نزل في زمان لا يفقه الناس علوم الفلك وخفايا الكون فكان الآية دقيقة في تقديم المعلومة من غير خطأ فلم ينسب نور القمر وسراج الشمس للسماوات بمعنى أن المقدار الذي يصل إليه ضوء القمر وسراج الشمس غير موضح في الآية الكريمة إذ أن هذه المعلومة لا يهم بيانها مع ملاحظة هدف إنزال القران الكريم أي أن السؤال عن ما هو الجزء المضاء له من نور الشمس والقمر لا جواب عليه في الآية الكريمة فسقط الاعتراض وصدق الله ورسوله.

(اشراقة التساؤل)

اشراقات دينية للدفاع عن القران الكريم
(اشراقة التساؤل)
الشبهة: أحجية التساؤل : يقول القرآن في وصفه ليوم القيامة (فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون) كما يؤيد هذا المشهد الرهيب يوم القيامة بقوله (يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه) فهو موقف لا يلتفت المرء فيه لاخيه ولا لامه ولا لزوجته فضلاً عن أن ينشغل بباقي الناس.. فعبر القرآن عن هذا بأنهم "لا يتساءلون "... ولكننا نجد القرآن في آية أخرى يقول (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)!! ويقول أيضاً (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) مما يدل على أن الكفار يتساءلون ويتلاومون فهل يتساءل الكفار يوم القيامة أم لا؟
الجواب:
يوم يقف الناس بالمحشر يقفون مدهوشين لهول الموقف فيسيطر الخوف على المجرمين فلا يتساءلون وتخرس الألسن من الرهبة ولا احد يعنيه سوى مصيره وهذا انما يكون قبل تحديد المصير كما يوضحه قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) (المؤمنون:101)
فرهبة الحساب وعظمة نفخة الصور تتركهم كالمتجمدين فلا يتساءلون ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ {القصص/65} فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ {القصص/66})
فعدم التساؤل يكشف عن مدى الرعب وخطورة الموقف والآية الكريمة تصور ذلك المشهد الرهيب إذ تقول: (فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ {عبس/33} يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ {عبس/34} وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ {عبس/35} وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ {عبس/36} لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ {عبس/37}
اما حين ينتهي الحساب ويتقرر المصير ويؤخذ المجرمون لمصيرهم الأسود فتبدأ مرحلة التلاوم فيعتب كل منهم على الآخر لكونه سببا في الضلال أو مساعدا عليه كما يقول تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) (القلم:30) وهنا يأتي دور التساؤل لقوله تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) (الصافات:27) (الطور:25) وقوله تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) (الصافات:50)

(اشراقة المساءلة)

اشراقات دينية للدفاع عن القرآن الكريم
(اشراقة المساءلة)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين وبعد:-
برزت ظاهرة في الآونة الأخيرة وهي ظاهرة الإلحاد واللادينية المنظر لها في مواقع عديدة للانترنت فهي تطرح الفكر المناوئ للدين على أساس فكري وفي ظاهره طرح موضوعي وهذا الطرح يتناول جوانب عديدة من الفكر الديني خصوصا الإسلامي منه ولم أجد جهدا مناسبا يرد على هذا الطرح ليرد الفكرة بالفكرة على أساس علمي رصين فعزمت الأمر للتصدي للمنهج اللاديني فكريا مبتدئا بسلسلة من حلقات كثيرة تتناول جانب الدفاع عن القرآن الكريم في قبال الشبهات المثارة ضده وهذه الحلقة الماثلة بين يديك تمثل باكورة هذا العمل ومن الله سبحانه استمد العون واسأله التوفيق والنجاح في الدفاع عن دينه وسأبدأ بملخص لكل شبهة على لسان أصحابها قبل الجواب عنها.
علوي الموسوي البلادي
(الحلقة الأولى)

يسأل الله المجرمين توبيخا لا تحقيقا

الشبهة:
أحجية المساءلة: في سياق الحديث عن يوم القيامة يقول الله في القرآن (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون - الحجر) كما يقول في آية أخرى (ولتُسئلن عما كنتم تعملون) ويقول في آية ثالثة (فقفوهم إنهم مسئولون) وفي رابعة يقول (فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين) ولا نجد في أنفسنا حاجة لشرح هذه الآيات فمعناها واضح ولا أحسب أن مسلماً لا يعرف أن الناس – مسلمهم وكافرهم - سيسئلون عن أعمالهم يوم القيامة..
ثم بمزيد من التدبر في القرآن نجد آية أخرى تقول (ولا يُسْئَلُ عن ذنوبهم المجرمون - القصص) !! كما يقول (فيومئذ لا يُسئل عن ذنبه إنس ولا جان - الرحمن)!
فهل سيُسئل الناس يوم القيامة أم لا؟ أم أن الله لم يستقر على رأي في هذا الشأن عند نزول القرآن؟ وإذا كان المجرمون لا يسئلون عن ذنوبهم فهل سيئسل الطيبون الصالحون؟ وبناء على التدبر في هذه الآيات المتضاربة نجد انه لا يمكن الوصول الى نتيجة في هذا الشأن، ولا أستبعد ان يخرج علينا المشايخ بتأويلات طريفة من نوع ان يوم القيامة هو في الواقع عدة أيام كالصعقة والنفخ في الصور والحشر والصراط ... الخ وان الكلام مسموح في بعضها ممنوع في البعض الآخر
..
جوابها:
ليس واردا أن يفتح رب العزة تحقيقا لأحد من عباده يوم البعث والنشور لأنه عالم بكل شيء ولا تخفى عليه خافية وإنما يحتاج للسؤال والتحقيق من يجهل بعض الأمور كما يمارسه البشر ومن هنا جاء نفي القران الكريم سؤال العباد يوم القيامة فالمجرم يحال للعقوبة الأخروية بدون أن يمر بأي سؤال للتحقيق مما يعني وضوح الرؤية وثبوت الجريمة وتأكد الإدانة قال تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) (القصص:78).
أي لا مجال للتنصل من الجرم المرتكب ولا أمل بإخفاء الجريمة والقوة والجمع غير قادرين على ستر الجريمة.
ومما يزيد الأمر وضوحا قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) (الرحمن:39) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ {الرحمن/40} يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ {الرحمن/41}
فلان المجرمين يعرفون بسمات وعلامات تؤكد فعلتهم لا يسألون ولا يستجوبون لوضوح إدانتهم وثبوت عصيانهم.
ولكن ذلك لا يعني ان لا يسأل المجرمون توبيخا وعتابا فالسؤال تارة يكون للمتهم وأخرى للمجرم والفرق بينهما ان مسائلة المتهم تكون على أساس التحقيق والاستجواب لمعرفة صحة التهمة المنسوبة له أو عدم صحتها فمن خلال إجابات المتهم الناتجة من التدقيق والمسائلة قد تتبين بعض الحقائق وانه يستحق ان توجه له التهمة ليحاكم ويجازى على فعلته هذه المسائلة لا تكون ممن لا يخفى عليه شيء ولكن المجرمين تتم مسائلتهم من اجل التوبيخ.
والسؤال الموجه للمجرم الذي ثبتت إدانته يختلف دافعه إذ أساسه المعاتبة والتوبيخ كنوع من العقوبة التي يستحقها وحتى تكون هذه المعاتبة والتوبيخ درسا يعتبر به الآخرون.
وهذا ما يؤكده قوله تعالى:(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر:92) وقوله تعالى:( وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل:93) وقوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) (الصافات:24) وقوله تعالى:(فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) (لأعراف:6).

الأحد، 2 مارس 2008

حذار من شر الساحر والكاهن والعراف

حذر الإسلام والقرآن الكريم من إتباع السحرة بأسلوبين احدهما بيان حقيقة السحر وانه مجرد وهم وخيال مضافا للاضرار والمصائب الناتجة عن مراجعة السحرة وإتباعهم.
والأسلوب الآخر حضر السحر وتحريمه ممارسة وتعلما وتعليما وتكسبا به.
قال تبارك وتعالى:(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:102)
فهو تحذير الهي من الاقتراب من السحر ليس لخلوه من الفائدة فحسب, بل لاشتماله على الضرر فلا إضرار بأحد ما لم يأذن الله سبحانه, فهل نصدق رب العزة أم من يدعي القدرة على جلب المنفعة ودفع المضرة بالسحر؟
وقال سبحانه: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طـه:69)
فالآية الكريمة تشرح حقيقة واقعية تؤكد على فشل الساحر وعدم فلاحه حتى لا يقع الناس في حبائله ويمتنعون عن مراجعته وقبول قوله.
وقال تعالى: (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طـه:66)
فهل يصح لعاقل يعرف أن السحر مجرد خيال محض لا يملك واقعية هل يصح له أن يعتمد على الساحر أو يقبل قوله.
الكهانة والتنبؤ بالمستقبل
ما أجمل أن يطلع الإنسان على مستقبله وما سيجري عليه, أو هكذا يتخيل ويعتقد فهناك رغبة قوية عند كثير من الناس لمعرفة ما يخبئه المستقبل وما تنطوي عليه الأيام من حوادث حلوة أو وقائع مرة, وما أشد شوقنا لمعرفة طرائق تغيير المستقبل حسب رغبتنا, ولكن شاءت الحكمة الإلهية إغلاق باب انكشاف المستقبل وانسداد طريق معرفة الغيب ولو أتيح لواحد منا مثل هذا الاطلاع لاتخذ الحيطة والحذر لتلافي المكروه وجلب المحبوب (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)(الأعراف: من الآية188)
تخيل معي كيف يمكن لعجلة الحياة أن تسير بسلام ودون تعثر مع اطلاع الجميع على ما سيحدث هل سيتقاتل الناس أم سيتحركون كالآلة, ربما اقتضت الحكمة الإلهية إخفاء المستقبل حتى تسير الحياة بأفضل وجه.
الرغبة الملحة في معرفة ما تضمره الأيام وفي تكييف الواقع وتصريف الحوادث وفق ما تشتهي شريحة واسعة من الناس جعلت منهم هدفا كبيرا للربح غير المشروع ولقمة يسيل لها لعاب الجشعين من مدعي قراءة الغيب والمستقبل (ويسمى الواحد منهم بالكاهن والعرّاف) للحصول على المال الوفير والمقام الكبير فيزعم الدجالون اتصالهم بالجان وربما أضافوا الزعم بمعرفة الأحاديث والقرآن فلفقوا الأكاذيب والخزعبلات ليسوّقوها غالبا على بسطاء الخلق وعندها يبدأ مسلسل المصائب والبلايا فيفرقون بين المرء وزوجه ويوقعون ضحاياهم في ظن السوء وينسبون سبب بعض المشاكل والابتلاءات لبعض الأهل والأصدقاء والجيران فيُظلم البريء وتتوالى المشاكل وتتفاقم.
وهؤلاء الدجالون يتمتع بعضهم بذكاء وفطنة وقدرة فائقة على تحوير الكلام لقنص ضعفاء الناس للإيقاع بهم واستغلال مصائبهم وحاجاتهم كما أشارت لذلك رواية الطبرسي في الاحتجاج في جملة الأسئلة التي سألها الزنديق أبا عبد الله عليه السلام قال الزنديق:
فمن أين أصل الكهانة ، ومن أين يخبر الناس بما يحدث ؟ قال : إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل ، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم ، فيخبرهم عن أشياء تحدث ، وذلك من وجوه شتى ، فراسة العين ، وذكاء القلب ، ووسوسة النفس ، وفطنة الروح ، مع قذف في قلبه...)(
[1]).
ومما زاد الأمر سوءا استخدام وسائل التقنية الحديثة وقنوات التلفاز للوصول لأكبر عدد ممكن من الزبائن والضحايا جشعا وطمعا في حطام الدنيا.
وقد حذرت روايات المعصومين (عليهم السلام) وفتاوى الفقهاء من إتباع أهل الدجل والكهانة تحصينا للمجتمع من الوقوع في المفاسد والسلبيات الخطيرة. فمن ذلك:-
1- رواية شُعَيْبِ بْنِ وَاقِدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ (ع) فِي حَدِيثِ الْمَنَاهِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) نَهَى عَنْ إِتْيَانِ الْعَرَّافِ وَ قَالَ: مَنْ أَتَاهُ وَ صَدَّقَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ (ص).(
[2])
فهذه الرواية لا تهتم بتوعية الناس من أن يقعوا ضحايا العراف فحسب بل تحذر بشدة من مراجعة العراف ومن تصديقه باعتبار ذلك من الذنوب الكبيرة.
2- رواية أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ (ص)(
[3]).
فالإمام الصادق (ع) في هذه الرواية يتضح مدى حرصه (ع) على الاهتمام بتجنيب المؤمنين من مثل خزعبلات الكهانة والتنبؤ بالحوادث لما لها من آثار خطرة على المجتمع فيعتبر ممارسة الكهانة ومراجعة الكاهن معصية كبيرة جدا وربما أعلى درجة في سلم الكبائر.
3- رواية الْهَيْثَمِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِنَّ عِنْدَنَا بِالْجَزِيرَةِ رَجُلًا رُبَّمَا أَخْبَرَ مَنْ يَأْتِيهِ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيْءِ يُسْرَقُ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ فَنَسْأَلُهُ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): مَنْ مَشَى إِلَى سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ أَوْ كَذَّابٍ يُصَدِّقُهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ.(
[4]).
فليس الكاهن بديلا صحيا عن القنوات العقلائية لمعرفة المشاكل وأسبابها وطرق حلها, فمن ترك الوسائل الصحيحة لمعالجة المرض والسرقة ونحوها ولجئ إلى الوسائل الملتوية من السحر والكهانة والعرافة ونحوها فقد عقد المشكلة وأساء لنفسه ودينه فعد الإمام الصادق (ع) ذلك من كبائر الذنوب منطقي كممارسة توعية للناس.
4- رواية عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسٌ عَنْ الْكُهَّانِ فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا مِنْ الْجِنِّيِّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ(
[5]).
وهكذا تتوالى الروايات والأحاديث لتقول باختصار احترموا عقولكم ولا تقدموها ضحية للدجالين.
ختاما ننقل بعض الفتاوى المتصلة بهذا الموضوع:-
1- آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله في منهاج الصالحين ج2:
مسألة 23 : عمل السحر و تعليمه و تعلمه و التكسب به حرام مطلقا و إن كان لدفع السحر على الأحوط.
مسألة 26 : الكهانة حرام . و هي : الإخبار عن المغيبات بزعم أنه يخبره بها بعض الجان ، أما إذا كان اعتمادا على بعض الأمارات الخفية فالظاهر أنه لا بأس به إذا اعتقد صحته أو اطمأن به ، و كما تحرم الكهانة يحرم التكسب بها و الرجوع إلى الكاهن و تصديقه فيما يقوله .
2- المرحوم آية الله العظمى السيد الخميني (رحمه الله) في تحرير الوسيلة ج2:
مسألة 16 : عمل السحر و تعليمه و تعلمه و التكسب به حرام ، و المراد به ما يعمل من كتابة أو تكلم أو دخنة أو تصوير أو نفث أو عقد و نحو ذلك يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله فيؤثر في إحضاره أو إنامته أو إغمائه أو تحبيبه أو تبغيضه و نحو ذلك ، و يلحق بذلك استخدام الملائكة و إحضار الجن و تسخيرهم و إحضار الأرواح و تسخيرها و أمثال ذلك ، بل يلحق به أو يكون منه الشعبذة و هى إراءة غير الواقع واقعا بسبب الحركة السريعة ، و كذلك الكهانة ، و هي تعاطي الاخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان بزعم أنه يلقى إليه الاخبار عنها بعض الجان ، أو بزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات و أسباب يستدل بها على مواقعها .
علوي الموسوي البلادي
[1]- الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج 2 - ص 81.
[2]- وسائل الشيعة ج : 17 ص : 149.
[3]- وسائل الشيعة ج : 17 ص : 149.
[4]- وسائل الشيعة ج : 17 ص : 150.
[5]- صحيح البخاري ج8, ص 218.