الأحد، 2 مارس 2008

حذار من شر الساحر والكاهن والعراف

حذر الإسلام والقرآن الكريم من إتباع السحرة بأسلوبين احدهما بيان حقيقة السحر وانه مجرد وهم وخيال مضافا للاضرار والمصائب الناتجة عن مراجعة السحرة وإتباعهم.
والأسلوب الآخر حضر السحر وتحريمه ممارسة وتعلما وتعليما وتكسبا به.
قال تبارك وتعالى:(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:102)
فهو تحذير الهي من الاقتراب من السحر ليس لخلوه من الفائدة فحسب, بل لاشتماله على الضرر فلا إضرار بأحد ما لم يأذن الله سبحانه, فهل نصدق رب العزة أم من يدعي القدرة على جلب المنفعة ودفع المضرة بالسحر؟
وقال سبحانه: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طـه:69)
فالآية الكريمة تشرح حقيقة واقعية تؤكد على فشل الساحر وعدم فلاحه حتى لا يقع الناس في حبائله ويمتنعون عن مراجعته وقبول قوله.
وقال تعالى: (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طـه:66)
فهل يصح لعاقل يعرف أن السحر مجرد خيال محض لا يملك واقعية هل يصح له أن يعتمد على الساحر أو يقبل قوله.
الكهانة والتنبؤ بالمستقبل
ما أجمل أن يطلع الإنسان على مستقبله وما سيجري عليه, أو هكذا يتخيل ويعتقد فهناك رغبة قوية عند كثير من الناس لمعرفة ما يخبئه المستقبل وما تنطوي عليه الأيام من حوادث حلوة أو وقائع مرة, وما أشد شوقنا لمعرفة طرائق تغيير المستقبل حسب رغبتنا, ولكن شاءت الحكمة الإلهية إغلاق باب انكشاف المستقبل وانسداد طريق معرفة الغيب ولو أتيح لواحد منا مثل هذا الاطلاع لاتخذ الحيطة والحذر لتلافي المكروه وجلب المحبوب (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)(الأعراف: من الآية188)
تخيل معي كيف يمكن لعجلة الحياة أن تسير بسلام ودون تعثر مع اطلاع الجميع على ما سيحدث هل سيتقاتل الناس أم سيتحركون كالآلة, ربما اقتضت الحكمة الإلهية إخفاء المستقبل حتى تسير الحياة بأفضل وجه.
الرغبة الملحة في معرفة ما تضمره الأيام وفي تكييف الواقع وتصريف الحوادث وفق ما تشتهي شريحة واسعة من الناس جعلت منهم هدفا كبيرا للربح غير المشروع ولقمة يسيل لها لعاب الجشعين من مدعي قراءة الغيب والمستقبل (ويسمى الواحد منهم بالكاهن والعرّاف) للحصول على المال الوفير والمقام الكبير فيزعم الدجالون اتصالهم بالجان وربما أضافوا الزعم بمعرفة الأحاديث والقرآن فلفقوا الأكاذيب والخزعبلات ليسوّقوها غالبا على بسطاء الخلق وعندها يبدأ مسلسل المصائب والبلايا فيفرقون بين المرء وزوجه ويوقعون ضحاياهم في ظن السوء وينسبون سبب بعض المشاكل والابتلاءات لبعض الأهل والأصدقاء والجيران فيُظلم البريء وتتوالى المشاكل وتتفاقم.
وهؤلاء الدجالون يتمتع بعضهم بذكاء وفطنة وقدرة فائقة على تحوير الكلام لقنص ضعفاء الناس للإيقاع بهم واستغلال مصائبهم وحاجاتهم كما أشارت لذلك رواية الطبرسي في الاحتجاج في جملة الأسئلة التي سألها الزنديق أبا عبد الله عليه السلام قال الزنديق:
فمن أين أصل الكهانة ، ومن أين يخبر الناس بما يحدث ؟ قال : إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل ، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم ، فيخبرهم عن أشياء تحدث ، وذلك من وجوه شتى ، فراسة العين ، وذكاء القلب ، ووسوسة النفس ، وفطنة الروح ، مع قذف في قلبه...)(
[1]).
ومما زاد الأمر سوءا استخدام وسائل التقنية الحديثة وقنوات التلفاز للوصول لأكبر عدد ممكن من الزبائن والضحايا جشعا وطمعا في حطام الدنيا.
وقد حذرت روايات المعصومين (عليهم السلام) وفتاوى الفقهاء من إتباع أهل الدجل والكهانة تحصينا للمجتمع من الوقوع في المفاسد والسلبيات الخطيرة. فمن ذلك:-
1- رواية شُعَيْبِ بْنِ وَاقِدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ (ع) فِي حَدِيثِ الْمَنَاهِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) نَهَى عَنْ إِتْيَانِ الْعَرَّافِ وَ قَالَ: مَنْ أَتَاهُ وَ صَدَّقَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ (ص).(
[2])
فهذه الرواية لا تهتم بتوعية الناس من أن يقعوا ضحايا العراف فحسب بل تحذر بشدة من مراجعة العراف ومن تصديقه باعتبار ذلك من الذنوب الكبيرة.
2- رواية أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ (ص)(
[3]).
فالإمام الصادق (ع) في هذه الرواية يتضح مدى حرصه (ع) على الاهتمام بتجنيب المؤمنين من مثل خزعبلات الكهانة والتنبؤ بالحوادث لما لها من آثار خطرة على المجتمع فيعتبر ممارسة الكهانة ومراجعة الكاهن معصية كبيرة جدا وربما أعلى درجة في سلم الكبائر.
3- رواية الْهَيْثَمِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِنَّ عِنْدَنَا بِالْجَزِيرَةِ رَجُلًا رُبَّمَا أَخْبَرَ مَنْ يَأْتِيهِ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيْءِ يُسْرَقُ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ فَنَسْأَلُهُ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): مَنْ مَشَى إِلَى سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ أَوْ كَذَّابٍ يُصَدِّقُهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ.(
[4]).
فليس الكاهن بديلا صحيا عن القنوات العقلائية لمعرفة المشاكل وأسبابها وطرق حلها, فمن ترك الوسائل الصحيحة لمعالجة المرض والسرقة ونحوها ولجئ إلى الوسائل الملتوية من السحر والكهانة والعرافة ونحوها فقد عقد المشكلة وأساء لنفسه ودينه فعد الإمام الصادق (ع) ذلك من كبائر الذنوب منطقي كممارسة توعية للناس.
4- رواية عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسٌ عَنْ الْكُهَّانِ فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا مِنْ الْجِنِّيِّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ(
[5]).
وهكذا تتوالى الروايات والأحاديث لتقول باختصار احترموا عقولكم ولا تقدموها ضحية للدجالين.
ختاما ننقل بعض الفتاوى المتصلة بهذا الموضوع:-
1- آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله في منهاج الصالحين ج2:
مسألة 23 : عمل السحر و تعليمه و تعلمه و التكسب به حرام مطلقا و إن كان لدفع السحر على الأحوط.
مسألة 26 : الكهانة حرام . و هي : الإخبار عن المغيبات بزعم أنه يخبره بها بعض الجان ، أما إذا كان اعتمادا على بعض الأمارات الخفية فالظاهر أنه لا بأس به إذا اعتقد صحته أو اطمأن به ، و كما تحرم الكهانة يحرم التكسب بها و الرجوع إلى الكاهن و تصديقه فيما يقوله .
2- المرحوم آية الله العظمى السيد الخميني (رحمه الله) في تحرير الوسيلة ج2:
مسألة 16 : عمل السحر و تعليمه و تعلمه و التكسب به حرام ، و المراد به ما يعمل من كتابة أو تكلم أو دخنة أو تصوير أو نفث أو عقد و نحو ذلك يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله فيؤثر في إحضاره أو إنامته أو إغمائه أو تحبيبه أو تبغيضه و نحو ذلك ، و يلحق بذلك استخدام الملائكة و إحضار الجن و تسخيرهم و إحضار الأرواح و تسخيرها و أمثال ذلك ، بل يلحق به أو يكون منه الشعبذة و هى إراءة غير الواقع واقعا بسبب الحركة السريعة ، و كذلك الكهانة ، و هي تعاطي الاخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان بزعم أنه يلقى إليه الاخبار عنها بعض الجان ، أو بزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات و أسباب يستدل بها على مواقعها .
علوي الموسوي البلادي
[1]- الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج 2 - ص 81.
[2]- وسائل الشيعة ج : 17 ص : 149.
[3]- وسائل الشيعة ج : 17 ص : 149.
[4]- وسائل الشيعة ج : 17 ص : 150.
[5]- صحيح البخاري ج8, ص 218.

ليست هناك تعليقات: