الاثنين، 3 مارس 2008

(اشراقة الثبات والتبديل)

اشراقات دينية للدفاع عن القران الكريم
(اشراقة الثبات والتبديل)
الشبهة: أحجية التبديل: يقول القرآن (لا مبدل لكلمات الله) ويقول أيضاً (لا مبدل لكلماته – الأنعام والكهف) والآية تعني أحد أمرين: 1- إما أن الله لا يبدل كلامه وهذا شيء مفهوم بل وواجب في حق الإله، فكيف يليق بإله أن يبدل كلامه وهو كلي العلم وأزلي الوجود وعالم بالغيب، وحافظ لكلامه في اللوح المحفوظ؟ 2- وإما أن الله لا يسمح لبشر بأن يبدل كلامه وهذا أيضاً مفهوم فأنى لبشر ضعيف فانٍ أن يقدر على تبديل كلام الإله الأزلي؟ وكيف يسمح له الإله بتبديله؟ ولكن تواجهنا معضلتان. الأولى: ان الله نفسه يبدل كلماته التي أكد أن لا مبدل لها فيقول (وإذا بدلنا آيةً مكان آيةٍ والله أعلم بما يبدل قالوا إنما أنت مفتر - النحل).. فهذه الآية تقول أن الله يبدل الآيات بآيات أخرى، ويقر بأن الكفار والمشركين استنكروا أن يتراجع إله في كلامه ويبدله فاتهموا محمداً بالإفتراء، وكعادة القرآن في "الرد على الشبهات" لم يقدم أي تفسير مقنع لهذه الأحجية ومضى يكرر نفس القصة من أن القرآن نزله روح القدس بالحق إلى آخره.. كما يقول القرآن أيضاً (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أومثلها - البقرة) !! ونترك لكل من يملك ذرة عقل فما دونها أن يفهم ما الذي يضطر إلهاً إلى أن ينسخ بعض الآيات ليأتي بخير منها أو مثلها.. فإذا كانت الآية الناسخة خيراً من المنسوخة فلم لم يأتِ بها أولاً؟ وهل ثبت له بعد تجربة الآية المنسوخة أنها ليست صالحة؟ هل يستخدمنا الإله حقلاً لتجاربه؟ وإذا كان نسخ آية والإتيان بخير منها أمراً يطعن في حكمة الإله، ولكنه يظل مفهوماً في إطار التجربة والخطأ الإلهيين (Trial and Error)، ولكن ما الحكمة في نسخ آية والإتيان بآية "مثلها"؟ أليس هذا نوعاً من العبث؟ وإذا كانت الآيتان متماثلتين فلم لم يبق الآية الأولى؟ وفي خضم إتيان الإله بآية أفضل وآيات متشابهة سقط التفسير الأول بأن الله لا يبدل لكلماته..
المعضلة الثانية هي أن البشر يبدلون كلام الله بكل بساطة، بل أن البشر –حسب العقيدة الاسلامية- أفلحوا في تبديل جميع كلمات الله المتتالية بدون استثناء كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وما لم نعلم من كتب وصحائف، ولم يسلم من ذلك إلا القرآن.. فكيف للبشر أن يفعلوا ذلك وقد تعهد الله منذ الأزل بأن لا مبدل لكلماته؟
نجد في ثلاجة الأجوبة المعلبة إجابة جاهزة يستخدمها المسلمون فيقولون ان الله لم يتعهد بحفظ كتبه الاولى ولكنه تعهد بحفظ القرآن، وسؤالي هو: هل يوجد إله يعجز عن حفظ رسالاته الى البشر من العبث؟ ثم وفي نهاية المطاف يقول لنفسه "سأكون منتبهاً تماماً هذه المرة وسأنزل رسالة لا يستطيع أحد أن يبدلها؟" .. هل يؤمن بإله كهذا شخص يحترم عقله؟ إله تستطيع مخلوقاته أن تعبث بكلماته وتبدلها؟ إله ينزل آيات يزعم انها في اللوح المحفوظ ثم يكتشف بعد قليل انها لم تعد صالحة فيبدلها زاعماً انه سيأتي بأحسن منها أو مثلها؟
ألم يخطر على بال الإله في أول مرة تم فيها تبديل كلماته، ولتكن التوراة مثلاً، أن يحاول حفظها في المرة التالية، ولتكن الإنجيل مثلاً؟ لماذا يكرر الإله أخطائه مرة بعد أخرى؟ هل فطن بعد ستمائة سنة من تعليق آخر نبي (أو ابن) أرسله إلى الأرض على الصليب بين عاهرة ولص، فطن الى أن شيئاً ما لا بد أن يفعل إزاء هذا العبث البشري المتكرر بكلماته فأرسل رسالة خاتمة وتعهد بحفظها؟ وحتى في هذه الرسالة لم يتعلم من أخطائه فقد زعم التعهد بحفظها ولكنه كان أول من غير وبدل فيها، فيكاد يجمع علماء المسلمين ان آية السيف (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - التوبة) نسخت مائة وأربع وعشرين آية!! ولعاقل أن يسأل: إذا اضطر الله نفسه أن يغير آياته مرات عديدة في ربع قرن فكيف يزعم هؤلاء أن القرآن صالح لكل زمان ومكان وهو لم يصلح لقرية بدوية صغيرة لمدة ربع قرن دون تبديل؟ وإذا قامت دولة بتبديل دستورها مرة في كل عشر سنوات لقلنا ان من خط هذا الدستور لا يفقه في القانون شيئاً، فعلى الرغم من أن الدساتير لا يطلب منها الخلود ولكن استقرارها لفترة زمنية يكسبها الاحترام.
وإذا كان تراجع الإله عن بعض ما قاله مفهوماً فكيف نفسر أن ينسخ الرسول كلام الله؟ كمثال على ذلك نورد حد رجم الزاني والذي ينص القرآن على أنه الجلد بينما يصر الرسول والعلماء على انه الرجم للزاني المحصن، وكأن الله حينما أنزل النص الأول لم يكن يعلم أن الزناة لا بد وأن يكونوا إما محصنين أو غير محصنين، ثم استدرك الرسول على الله بأن أضاف عقوبة مشددة لمن كان محصناً..
ولمواجهة هذا التضارب المحرج ظهرت أحاديث صحيحة تقول أن الله أنزل آية في الرجم ولكنها اختفت من المصحف، وفي تفسير ذلك يقول بعض العلماء الظرفاء أن هذه الآية نسخ لفظها وبقي حكمها، وروى الطبراني وابن ماجة والدارقطني وابن يعلى أن هذه الآيات كانت مكتوبة وموضوعة تحت سرير عائشة فلما مات الرسول وانشغلوا بدفنه دخل الداجن وأكلها!!
والتفسير الأول يفتح الباب للبشر أن يبدلوا كلام الله فلا نختلف عن اليهود والنصارى في شيء، أما التفسير الثاني فيفتح الباب للقول بأن "الدواب" تبدل كلام الله .. ويجد مسلم اليوم نفسه مضطراً للإيمان بأن الله أنزل آيات ثم نسخ لفظها وأراد لحكمها أن يبقى!! وأن الداجن له سلطان على كلام الله الذي تعهد بحفظه!
ولا يزال أنصار الدولة الدينية يرفعون شعار تطبيق الشريعة حتى يومنا هذا بحسبانها المحجة البيضاء ليلها كنهارها، هذه الشريعة التي لم يفهمها أقرب الصحابة إلى الرسول فتقاتلوا بينهم قتالاً شديداً أفنى فيه مبشرون بالجنة مبشرون آخرون، وها هم ينتظرون يوم القيامة عسى أن يصدق الله وعده في قوله (ونزعنا ما في صدورهم من غل)، هذا إذا لم يغير رأيه وينسخ هذه الآية أيضاً. وإذا كانت هذه المحجة البيضاء لم تكن واضحة لصحابة الرسول في أهم الأمور وهو انتقال السلطة حتى اضطروا إلى قتل بعضهم البعض ولما يمض على وفاة الرسول ثلاثة عقود، ففيم وضوح هذه الشريعة؟ وما الذي يدعوهم إلى الإعتقاد بأن الشريعة ستكون أوضح لنا بعد أربعة عشر قرناً مما كانت للصحابة وهم من تربوا على يدي الرسول وعاصروا "الوحي"؟

الجواب:-
لنبدء من حيث انتهت الشبهة اعني الشق الثاني منها
تصريح القرآن الكريم بتحريف الكتب السابقة مع تعهده بحفظ كلام الله وانه لا مبدل لكلماته يستنتج منه بوضوح أن المقصود خصوص القرآن الكريم فمن هذه الجهة لا تناقض ولا تنافي اما لماذا لم يتعهد الله سبحانه بحفظ الكتب السماوية السابقة؟
فلان تلك الشرائع الإلهية كانت محكومة بحقبة زمانية حيث لم تتعلق الإرادة الإلهية باستمرارها ودوامها فترك العوامل الطبيعية تأخذ مجراها في التبديل والتحريف من قبل البشر يفتح المجال واسعا لتقديم شريعة جديدة تناسب المرحلة وهكذا لان الشرائع السابقة لم يرد لها الاستمرار للنهاية لم تتدخل اليد الإلهية للحفظ حتى يتاح تقديم الشريعة التالية ويكون التحريف البشري للشريعة السابقة احد مبررات الشريعة القادمة عندما يحين استحقاقها أو قل أن التبديل من قبل الناس يكون احد عوامل نجاح الرسالة التالية والدعوة الجديدة فهذه حكمة الله تبارك وتعالى.
ولنعد للشق الأول من الشبهة متيمنين بالآيات الشريفة:-
(لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس:64)
(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام:34)
(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنعام:115)
(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الكهف:27)
مفاد هذه الآيات الكريمة ثبات كلمات الله وعدم تغيير أحكامه ولكن كأطروحة يمكننا القول بان ثبات الأحكام وعدم تغيرها راجع لموضوعها وزمانها المقيدة به فهي لا تتغير مع لحاظ تلك الملابسات ولكنها تتغير وتتبدل بلحاظ تغير القيود المنوطة به أو بلحاظ تغير الموضوع وتبدله وهذا جمع لطيف بين هذه الآيات من جهة وبين قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (النحل:101)
وقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:106)
فقضية نسخ حكم ليحل محله حكم آخر مثله في القيمة إنما هو بلحاظ درجة الفائدة المتوخاة منه فالحكم الأول تتوخى منه الفائدة التامة في ظرفه والحكم الآخر أيضا تتوخى منه نفس الفائدة في الظرف الجديد وربما كان الحكم الأخير ينتج فائدة اكبر لتغير الموضوع وتبدل الظروف والمناسبات, وبهذا تكون تشريعات الإسلام متوائمة مع المتغيرات غير جامدة وتنحل الشبهة ببساطة.
فكلمة الله تعني –ولو كأحد المصاديق- حكمه سبحانه المحدود بظرف الموضوع والزمان وجملة الملابسات المحيطة به فحكمه تبارك وتعالى لا يمكن ان يطرأ عليه أي تغيير طالما حفظت ملابساته من الموضوع والزمان والمصلحة ونحو ذلك.
ولكن عدم التبديل هذا لا يعني ثبات الحكم في حالات تبدل الموضوع وتغير الظروف والملابسات والزمان الدخيل في ذلك فتغير الشريعة من داخلها هو احد أسباب قوتها واحد أسرار عظمتها لتكيفها مع المتغيرات.
ولتتضح الفكرة أكثر استميحك عزيزي القارئ بسرد مجموعة من الأمثلة كالتالي:
المثال الأول: حرمت الشريعة الغراء شرب الخمر طالما الموضوع ثابتا وهو نفس الخمر وطالما لم يرتفع الاختيار ففي حال تبدل الخمر إلى الخل يحل شربه لتغير الموضوع وفي حال الاضطرار ترتفع الحرمة لانتفاء شرطها فيصبح الحرام حلالا ومع ذلك حكم الله واحد لم يتبدل أي ان الثبات دائم مادمت الشروط متوفرة ومادام الموضوع ثابتا حاضرا ومع ذلك يحصل التغير والتبدل بتغير وتبدل الشروط أو الموضوع.
المثال الثاني: يرى جمهور الفقهاء بأن منع الإنسان غيره من فضل ما يملكه من ماء وكلاء ليس من المحرمات الأصيلة في الشريعة، كمنع الزوجة نفقتها وشرب الخمر. . ولكن جاء في النصوص: أن النبي نهى عن منع فضل الماء والكلأ. فعن الإمام الصادق أنه قال: ( قضى رسول الله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع فضل ماء وكلاء ). وهذا النهي يظهر منه انه نهي تحريم أولي كما يقتضيه لفظ النهي عرفا ولكنه صدر من النبي (ص)، بلحاظ الحالة الثانوية حسب مقتضيات الظروف لأن مجتمع المدينة كان بحاجة شديدة إلى إنماء الثروة الزراعية والحيوانية ، فألزمت الدولة الأفراد ببذل ما يفضل من مائهم وكلأهم للآخرين ، تشجيعا للثروات الزراعية والحيوانية . وهكذا نرى أن بذل فضل الماء والكلاء فعل مباح بطبيعته وقد ألزمت به الدولة إلزاما تكليفيا, تحقيقا لمصلحة واجبة فقد تغير الحكم الشرعي تبعا لطرو ظرف خاص وهكذا يتجدد الحكم بتجدد الموضوع ولا يتجدد الحكم مع ثبات الموضوع والظروف والملابسات.
المثال الثالث: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها عملية مباحة بطبيعتها وقد أباحتها الشريعة الإسلامية بصورة عامة ولكن النبي نهى عن هذا البيع بلحاظ العنوان الثانوي دفعا لما يسفر عنه من مفاسد وتناقضات فقد ورد عن النبي ( ص ) النهي عن بيع الثمرة قبل نضجها. ففي الحديث عن الصادق ( ع ): أنه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض، فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها ؟ فقال:( قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله ( ص )، فكانوا يذكرون ذلك فلما رآهم لا يدعون الخصومة، نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة، ولم يحرمه، ولكنه فعل ذلك من أجل خصومتهم ). وفي حديث آخر : (أن رسول الله أحل ذلك فاختلفوا). فقال : لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها.
المثال الرابع: اتفق الفقهاء على عدم حرمة كراء الأرض في الشريعة بصورة عامة طبقا لنصوص كثيرة، ومع ذلك نقل الترمذي عن رافع بن خديج أنه قال : نهانا رسول الله ( ص ) عن أمر كان لنا نافعا ، إذا كانت لأحدنا أرض أن يعطيها ببعض خراجها أو بدراهم ، وقال: إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها..)
فهذا المنع من النبي (ص) إذا صح فهو من اجل مراعاة مقتضيات الموقف فليس حكما أوليا بل هو حكم ثانوي ناظر للظرف الخاص الذي يتطلب هذا التغيير وبعبارة أخرى من صلاحيات الدولة أن تتدخل في مثل ذلك وهذا يعبر عن جانب المرونة في الشريعة الإسلامية فقصة ثبات الحكم إنما هي مع ثبات الموضوع الملابسات التي يتقيد بها الحكم الشرعي ولكن في الوقت نفسه نجد الحكم يتغير ويتكيف مع مقتضيات التجديد والتغيير التي تطرأ على الموضوع أو تمس الشروط التي يناط بها الحكم الشرعي.
المثال الخامس: كحكم أولي يباح للمالك البيع بأي سعر أحب، ولا تمنع الشريعة منعا عاما عن بيع المالك للسلعة بسعر مجحف. وهذا واضح من الناحية الفقهية ومع ذلك نجد في عهد الإمام عليه السلام إلى مالك الأشتر أوامر مؤكدة بتحديد الأسعار، وفقا لمقتضيات العدالة . قد تحدث الإمام إلى واليه عن التجار، وأوصاه بهم، ثم عقب ذلك قائلا: ( واعلم - مع ذلك - أن في كثير منهم ضيقا فاحشا، وشحا قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات. وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فان رسول الله ( ص ) منع منه . وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين في البائع والمبتاع ). فأمر الإمام بتحديد السعر ، ومنع التجار عن البيع بثمن أكبر . . فقد صدر منه باعتباره حكما ثانويا جاء وفقا لمقتضيات العدالة الاجتماعية التي يتبناها الإسلام.
المثال السادس: قال الشهيد الصدر (رحمه الله) حسب تقرير سيدنا الأستاذ مد ظله:
السيرة العقلائية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول - السيرة العقلائيّة التي تنقح موضوع الحكم الشرعي و لا تشرع الحكم و انَّما يثبت الحكم بمقتضى إطلاق دليله من كتاب أو سنّة أو غيرها.
و تنقيح موضوع الحكم الشرعي بالسيرة العقلائية يكون بأحد نحوين:
1 - أن تكون السيرة العقلائيّة بنفسها منقحة ثبوتاً لفرد حقيقي من الموضوع كما إِذا لاحظنا دليل وجوب إمساك الزوجة بمعروف أو تسريحها بإحسان، الّذي دلّ على وجوب النفقة تحت عنوان الإمساك بمعروف فانَّ المعروف من العرف و هو الشائع و المستساغ. فإذا اقتضت السيرة و التعارف على أن تكون نفقة الزوجة في هذا الوقت مثلاً بنحو أتمّ و أكمل ممّا كان معروفاً بالنسبة لها في غابر السنين بحيث خرج ذلك الحدّ عن كونه معروفاً و مستساغاً نتيجة الاختلاف في الظروف الفكريّة أو الاقتصاديّة أو الاجتماعية فسوف يتوسّع صدق عنوان النفقة بمعروف عمّا كان عليه سابقاً فتجب هذه المرتبة منها و لا تكفي المراتب التي كانت كافية فيما سبق، و هذا بحسب الحقيقة من تدخل السيرة في تكوين موضوع الحكم الشرعي ثبوتاً توسعة أو تضييقاً.(
[1])
فتغير الحكم الشريعي تابع لتغير الموضوع وتغير الموضوع في هذا المثال خاضع للتغيرات الاقتصادية والثقاقية العامة لدى المجتمع فبالنتيجة استطاعت الشريعة مواكبة التغيرات والتكيف مع المستجدات.
فهذه جملة من الأمثلة تقرب الصورة وبصورة أكثر دقة يمكن القول
ان لله سبحانه في كل واقعة حكما لا يتبدل ولا يتغير بتغير آراء الفقهاء والمجتهدين كما يعتقد المخطئة (الإمامية والمعتزلة) في مقابل الاشاعرة, وبالتالي بعض الفتاوى توافق الواقع وأخرى تخالفه, ولكن هذا لا يعني جمودا في طبيعة الحكم الشرعي, وإنما طابع الحكم الشرعي ينسجم مع طبيعة الدائرة التي يتحرك فيها فالحكم تارة يتحرك في دائرة ثابتة لا تتغير جوهريا كالطابع العام لدائرة علاقة الفرد بالفرد أو الجماعة وأخرى يتحرك في دائرة متحركة يحكمها التطور والتبدل كالطابع العام لدائرة علاقة الفرد بالطبيعة ووسائل الإنتاج والإسلام حينما وضع تشريعاته التفت إلى هذا الفارق بين الدائرتين فوضع للدائرة الأولى تشريعات ثابتة انسجاما مع ثبات الموضوع ووضع في المقابل تشريعات متحركة في الدائرة الثانية تبعا لتحرك الموضوع وترك هذا التحرك ضمن قواعد وقوانين لا يتقنها ويستطيع الاستنباط منها إلا ذو حظ عظيم من العلم والاختصاص الفقهي العالي.
وهذا الطرح يجيب على السؤال عن صلاحية تشريعات الإسلام لكل زمان ومكان باعتبارها الأفضل والأصلح لبني الإنسان فما قد يثار من انتهاء صلاحية تشريعات الإسلام لعدم إمكانية إعطاء حكم ثابت لطبيعة متغيرة, الأمر الذي يستدعي البحث عن البديل العلماني الذي يتوافق مع المتغيرات المستمرة ولمزيد شرح للفكرة استمع ما يتلى عليك هنا:
عناصر مرونة الإسلام
عنصر منطقة الفراغ:-
هل أحكام الإسلام وحلوله عامة ممتدة عبر الزمان والمكان باعتبار صلاحيتها بل اصلحيتها أم انها محدودة بحقبة تاريخية وظروف معينة انتهت بالفعل, والجواب يبتني على حقيقة دور النبوة وخاتمية الإسلام فالرسالات السماوية التي جاءت على أيدي الأنبياء والرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) اشتركت في مبادئ وقيم أساسية تمثل الحق والعدل كما امتازت كل شريعة لاحقة بتشريعات مختلفة عن سابقاتها مراعاة لتطور البشرية اجتماعيا وفكريا وثقافيا وغيرها من التعقيدات فكل رسالة تقوم - بالإضافة إلى معالجة الخطوط العامة العريضة- بمعالجة الكثير من الخطوط التفصيلية والتي قد تكون مرحلية ولو جزئيا مما يستدعي تغيير الرسالة إلى أخرى تناسب المرحلة الجديدة, وهكذا تدرجت الرسالات السماوية في متابعة مسيرة التكامل حتى بلغت الذروة برسالة الرسول الأعظم محمد (ص) فشاءت الحكمة الإلهية ختم الرسالات السماوية برسالة الإسلام ولما كان مبدأ الخاتمية يستدعي مناغاة كل الحاجات الثابتة والمتحركة لمواكبة حركة التطور جاء منهاج الإسلام وتشريعاته متناسبة مع هذه الحقيقة, فهو منهاج تشريع يستوعب الزمان الممتد والمكان المتغير ولكي يضع الإسلام منهاجا يسير عبر الزمان والمكان كان لا بد من التمييز بين العناصر الثابتة والعناصر المتحركة فيضع أحكاما ثابتة للعناصر الثابتة ويضع أحكاما متحركة للعناصر المتحركة وهذا ما صنعه الإسلام, ولو وضع أحكاما ثابتة وتفصيلية لكل حقل وباب لما كان قادرا على التكيف مع المتغيرات, فالأحكام الشرعية باعتبار طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان لها عدة حقول:-
الحقل الأول علاقات الإنسان الفرد بربه والتي لا يكون للناس طرف فيها بصورة مباشرة غالبا, وهي العبادات الخاصة كالصلاة والحج والصيام ونحوهما, ونلاحظ في هذا القسم ان التشريع غطى تفاصيل دقيقة بحيث تضيق منطقة الفراغ إلى حدودها الدنيا وفي حدود الأحكام الثانوية كمسألة التزاحم.
الحقل الثاني علاقات الفرد بالفرد كالبيع وسائر المعاملات, وفي هذا الحقل نجد التشريعات لا تستوعب كثيرا من التفاصيل باستثناء علاقة الزواج وانما تهتم بالتركيز على الأسس والمبادئ العامة لتفتح لولي الأمر مساحة معقولة من الفراغ التشريعي يملؤها بما يتوافق مع المتغيرات.
ومن هذه الأسس العامة قوله تعالى: ) وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ( البقرة 274.
وقوله سبحانه:
) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( البقرة 188.
الحقل الثالث علاقات الفرد بالجماعة كعلاقة الفرد إزاء الدولة والحقوق العامة الثابتة على الفرد إزاء الأمة, وعلاقة الجماعة بالفرد, كعلاقة الدولة بالفرد وما لها من حقوق وواجبات على الفرد, وعلاقات الجماعة بالجماعة كالعلاقات التي تربط بين الأمم والدول, وهذا حقل واسع جدا يتناول العلاقات الاقتصادية بين الدولة والمجتمع وبين الدولة والدول الأخرى ويتناول العلاقات السياسية التي تحكم قضايا كثيرة متشعبة ومتغيرة جدا ولما كان هذا الحقل يتمتع بهذا المستوى من الحركية والتغير نجد مساحة الفراغ فيه واسعة فلولي الأمر سواء فرضناه الفقيه أو مجلس الشورى مثلا ان يشرع ضرائب زائدة على الخمس والزكاة لتزيد وتنقص أو تلغى حسب المصلحة المتحركة.
كما لا نجد تشريعات إسلامية تحدد طبيعة العلاقة بين الأمم وما يربط الدول من اتفاقيات ومعاهدات, مما يعني سعة منطقة الفراغ تتيح للسلطة التشريعية حسب –وتحديدها يختلف حسب وجهة النظر الفقهية- ملئها وتكييفها بما يتلائم مع مبدأ العدل والمصلحة العامة.
الحقل الرابع علاقة الإنسان بالطبيعة ونلاحظ في هذا الحقل أيضا مستوى التغير الكبير الذي جعل من حكمة التشريع قلة التشريعات الثابتة لتتحرك التشريعات التي بيد السلطة التشريعية ملئها حسب المصلحة المتغيرة.
ففي هذا الحقل نجد الجانب المتحرك الذي يتطور من زمان إلى آخر فبينما كان الإنسان يصطاد الأسماك بالوسائل البسيطة وإذا به يصطادها اليوم بوسائل مبتكرة متطورة تستولي على كميات هائلة من الطبيعة. وبينما كان الإنسان يستخرج المعادن من الأرض بآلات لا تتيح له الاستيلاء إلا على كمية محدودة تشبع حاجة المستخرج ولا تؤثر على الآخرين فإذا بقانون التطور يقلب الموازين فصار بإمكان أفراد معدودين السيطرة على ثروات ضخمة من المعادن والنفط والأرض وسائر الثروات الطبيعة في مقابل حرمان الآخرين ليحدث إخلال بالتوازن والعدالة الاجتماعية.
وهكذا لما كان الإنسان متطورا في قدرته وسيطرته على الثروات الطبيعية ناسب ان يضع الإسلام أحكاما متحركة تتناسب مع تحرك وتغير علاقة الإنسان بالطبيعة وهذا ما حدث بالفعل فلم يغفل الإسلام حقيقة التطور والتبدل لذلك وضع لهذا القسم أحكاما غير ثابتة تتبدل بما يتوافق مع التطور ويتناسب مع مبدأ العدالة, وهذا ما يسميه الشهيد الصدر (ره) بمنطقة الفراغ التي يمارس الإسلام فيها من خلال السلطة التشريعية تطبيق مبدأ العدالة في حدود ما وضعته الشريعة لها من قواعد عامة, فهي صلاحية خاصة بالفقيه الذي يمثل السلطة التشريعية حسب نظره (قدس) حفاظا على مبدأ العدالة وعرفانا لأهل الاختصاص بحق تخصصهم, وحتى لا تصدر أحكام من غيرهم تغفل مبادئ الشريعة وقوانينها بسبب فقدان التخصص الفقهي.
وان كنا نفضل ان يسمى ذلك ( المنطقة المرنة ) لئلا يحدث إيحاء كاذب بنقص الشريعة من خلال إقرار هذا المبدأ وهذا الإيحاء كان السيد الشهيد (ره) ملتفتا لاحتمال تخيله من قبل بعض القراء فأوضح مقصده ببيان جزل نافيا بضرس قاطع ان يكون المقصود من التسمية نقص الشريعة قائلا: ) ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع ‏والأحداث، بل تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة، لان الشريعة لم تترك ‏منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصا أو إهمالا، وإنما حددت للمنطقة أحكامها بمنح كل حادثة صفتها التشريعية ‏الأصيلة مع إعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية حسب الظروف. فإحياء الفرد للأرض مثلا عملية مباحة تشريعيا بطبيعتها، ولولي الأمر حق المنع عن ممارستها وفقا لمقتضيات‏الظروف‏).
(اقتصادنا ص784, ط 20, نشر دار التعارف)
ورغم ذلك ينبرى له بالاعتراض من لا يقرأ المطلب إلا كما يقرأ خبرا عابرا مكتوبا بالخط العريض دون ان يكلف نفسه قليلا في قراءة ما تحت (المانشستر).
فقد قال:
( يستحدث باقر الصدر مقولة وجود الفراغ في التشريع الإسلامي إلى ان قال: ونحن لا نقدر أبدا على التسليم بوجود فراغ في التشريع، لان الأمور المستحدثة التي لا نص فيها قد بلغنا أمر المشرع بالاجتهاد في معرفة أحكامها)"
[2] “لذلك ربما كان اسم (المنطقة المرنة) أو (المساحة المتحركة) أفضل.
فالمبدأ الحاكم بتملك العامل للمعدن الذي يستخرجه يعتبر مبدأ عادلا مكافئة لعمله وتشجيعا على العمل ليساهم العامل في التنمية والبناء.
والمبدأ القائل بان من أصلح بجهده أرضا وأحياها فهو أحق بها من غيره هو الآخر مبدأ عادل حتى لا يتساوى العامل الباني مع غيره, ولكن مثل هذين المبدأين حيث يرتبطان بعلاقة الإنسان بالطبيعة يجعل منها مبدأين متحركين غير ثابتين فتطور علاقة الإنسان بالطبيعة يسمح بالاستغلال فقد تتوفر الفرصة لفرد أو مجموعة قليلة تمتلك آلات ضخمة فتستولي بها على كميات كبيرة من الثروات الطبيعية ليحرم الآخرون منها ولتختل العدالة الاجتماعية, فثبات المبدأ يتصادم مع العدالة كما ان عدم تشريعه في زمن الآلات اليدوية البسيطة ظلم واختلال في العدالة الاجتماعية, فالخيار الصحيح الوحيد هو جعل المبدأ متحركا بحيث لا يستغل ويحدد امتداده ويقيد عمومه وإطلاقه حتى لا يتناول الحالة التي تمزق العدالة الاجتماعية بفعل رقي الآلة وتطور علاقة الإنسان بالطبيعة.
وهذا ما فعله الإسلام بالتحديد انسجاما مع مبدأ العدل الذي هو الركيزة الأساسية في تشريعاته.
اما ما يعبر عن علاقة الإنسان بأخيه الإنسان فهو الجانب الثابت جوهريا وغير المحكوم للتطور فهو يحدد الحقوق والواجبات عبر ارتباط الفرد بالفرد او بالجماعة وواضح ان هذا الارتباط لا يخضع للتبدل والتطور في الخط العريض مهما اختلف المكان الذي يحضن بني الإنسان ومهما مرت القرون والأزمان ومن هذا المنطلق اقتضت حكمة التشريع الإسلامي وضع قوانين ثابتة لهذا النوع من العلاقة الثابتة. نعم هناك مساحة ضيقة خاضعة للتغير والتبدل تحكم من خلال السلطة التشريعية.
فالرجل والمرأة حين يقرران الارتباط عاطفيا وجنسيا ببعضهما يخضعان جوهريا لنفس الغرائز والحاجات ويستمتعان بوتيرة ثابتة من العطاء والأخذ المتبادل, لذلك نجد طبيعة هذه العلاقة لم يطرأ عليها التغيير ولم تنلها يد التطور والتبديل, بمرور القرون والأزمان وبتبدل المواقع الجغرافية وأماكن الكرة الأرضية فالرجل هو الرجل والمرأة هي المرأة وما يربطهما من علاقة وعاطفة وحب بقت من حيث الجوهر من زمن الطاحونة والمحراث إلى زمن الآلة البخارية والانترنت, ومثلها علاقة الولد بابيه أو الأب بولده, أو الأخ بأخته أو الأخت بأختها وهكذا العلاقات المختلفة التي تربط بين بني الإنسان تظل ثابتة لا يطرأ عليها تغير أساسي لذلك وضع الإسلام أحكاما وتشريعات ثابتة بمقدار ثبات هذه العلاقات.
عنصر التموج
كما يمكننا إضافة تقسيم آخر للأحكام الشرعية بلحاظ مستوى وضوحها فإذا كانت كاملة الوضوح لم يقع فيها خلاف عادة وإذا كانت ناقصة الوضوح وقع الاختلاف فيها بل مستوى الاختلاف يتناسب عكسا مع مستوى الوضوح فكلما كانت المسألة أوضح كانت دائرة الاختلاف فيها أضيق وكلما كانت المسألة اقل وضوحا كانت دائرة الاختلاف فيها أوسع وسعة الاختلاف هذه تأخذ أحد لونين أو كليهما:-
اللون الأول: كثرة الجدل وتعدد الحجج والوجوه إزاء المسألة وانقسام عدد المختلفين رغم ان الرأي فيها لا يتجاوز القولين.
اللون الثاني: كثرة الأقوال والآراء في المسألة بحيث تزداد الآراء والأقوال كلما زاد الغموض في القضية.
وهنا نقدم أطروحة محتملة للتقسيم الجديد لتنقسم مواضع الأحكام الشرعية على أساس مستوى الوضوح إلى قسمين:-
القسم الأول منطقة الهدوء ونعني بذلك الأحكام الشرعية التي تتوفر على درجة كبيرة من الوضوح فهي تشريعات هادئة بدرجة كبيرة فلا يحدث فيها صعود وهبوط بالاختلاف فيها باستثناء الندرة التي قد تقع.
القسم الثاني منطقة التموج ونعني بها المسائل التي يقع فيها الاختلاف كثيرا.
والسؤال الجدير بالاهتمام هو السؤال عن حكمة المشرع بما هو قادر على كل شيء في إيجاد منطقتي الهدوء والتموج فلماذا جعل قسما من الأحكام متموجا وقسما آخر منها هادئا وهنا يأتي دور أطروحتنا التي تقول بان منطقة التموج تقوم على أساس اختلاف الناس في القابليات والقدرات فرب أمر ميسور على شخص معسور على آخر, ورب تكليف يصب في مصلحة فرد ويعالج ما به من خلل ولكنه عديم الجدوى بالنسبة لفرد آخر بل ربما كان ضارا به, لذلك جعل الإسلام منطقة التموج هذه لتعالج من يتناسب معه هذا العلاج اما على أساس تخيير المكلفين في اختيار مرجع تقليدهم كما هو احد الآراء في المسألة أو على أساس إتاحة خيار التبعيض المبنايان على عدم وجوب تقليد الأعلم أو على تردد الأعلم بين أكثر من واحد مع عدم لزوم وحدة المرجع.
أو على أساس ان تعدد الفقهاء وتوزيع الفتاوى في هذه المنطقة سيخلق الحالة الأقرب للوصول لما يناسب قدرات وصلاح العباد فإذا كانت فتاوى الفقيه تتأثر بالبيئة والزمان الذين يعيش فيهما كحالة تكوينية أمكن تصوير ربط حكمة (المنطقة المتموجة) بالمصالح المتحركة التي تتغير وفق الظروف المختلفة لتؤثر هذه الظروف في فهم الفقيه وفتاواه وبالتالي تتناسب مع الحاجات المستجدة ولو بحسب علم الغيب عند الله سبحانه وتعالى.
وهكذا يتلخص ان الحكم الشرعي تارة يكون في المنطقة الثابتة وأخرى في المنطقة المرنة على أساس إعطاء ولي الأمر صلاحية تغيير الحكم طبق القواعد أو عدم إعطائه ذلك.
ومن جهة أخرى الحكم الشرعي تارة يكون في (المنطقة الهادئة) وأخرى في (المنطقة المتموجة) على أساس عمومية المصلحة التي يستند عليها الحكم الشرعي أو اختصاصها ببعض الفئات ولو من حيث الدرجة.
فالنتيجة ان ديمومة صلاحية التشريعات الإسلامية تستند على مدى ما تتمتع به من القدرة على التكيف ومجاراة المصلحة الثابتة والمتغيرة, نظير الكثير من دساتير الدول وقانونها الأساسي, فرغم ثبوتها النسبي ومحدودية إمكانية تغيير موادها إلا انها تتمتع بالديناميكية فتتماشى مع المصالح المتغيرة منها والثابتة وعلى ضوئها تصدر التشريعات الفرعية وهكذا الإسلام يتمتع بالديناميكية والتزاوج مع المصلحة المختلفة المتغير منها والثابت.
عنصر التدرج والجهل بالأحكام الشرعية
تلاحظ ظاهرة التدرج في البيان وتعليم الأحكام من قبل المعصومين عليهم السلام وغالبا ما يقتصر دورهم عليهم السلام على الجواب على أسئلة المؤمنين مقلصين بذلك دائرة مبادرة تلقين الأحكام وهذا ما قد يكون مؤشرا على المرونة التي نتحدث عنها مضافا إلى معذورية الجاهل القاصر في كل الحالات أو اغلبها ومعذورية المقصر في عدد من الحالات مثل الجهر في محل الاخفات والاخفات محل الجهر ومثل القصر والتمام.
بل ربما يستفاد عمومية العفو من بعض الروايات مثل ما رواه في الوسائل عن محمد بن الحسن بإسناده عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي حَدِيثٍ أَنَّ رَجُلًا أَعْجَمِيّاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يُلَبِّي وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَقَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْمَلُ بِيَدِي وَاجْتَمَعَتْ لِي نَفَقَةٌ فَجِئْتُ أَحُجُّ لَمْ أَسْأَلْ أَحَداً عَنْ شَيْ‏ءٍ وَأَفْتَوْنِي هَؤُلَاءِ أَنْ أَشُقَّ قَمِيصِي وَ أَنْزِعَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيَّ وَ أَنَّ حَجِّي فَاسِدٌ وَ أَنَّ عَلَيَّ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ مَتَى لَبِسْتَ قَمِيصَكَ أَ بَعْدَ مَا لَبَّيْتَ أَمْ قَبْلَ قَالَ قَبْلَ أَنْ أُلَبِّيَ قَالَ فَأَخْرِجْهُ مِنْ رَأْسِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ بَدَنَةٌ وَ لَيْسَ عَلَيْكَ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ أَيُّ رَجُلٍ رَكِبَ أَمْراً بِجَهَالَةٍ فَلَا شَيْ‏ءَ عَلَيْهِ طُفْ بِالْبَيْتِ سَبْعاً وَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ع وَ اسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ وَ قَصِّرْ مِنْ شَعْرِكَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَاغْتَسِلْ وَ أَهِلَّ بِالْحَجِّ وَ اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ النَّاسُ."
[3]"
ومحل الشاهد قوله عليه السلام: (أَيُّ رَجُلٍ رَكِبَ أَمْراً بِجَهَالَةٍ فَلَا شَيْ‏ء)
عنصر العفو
القانون له جانب صياغي اعتباري وله جانب عملي على الأرض يتمثل في قوة تطبيقه وإجراء العقوبات على من يخالفه.
وتجميد عقوبات مخالفة التشريع يعتبر نحوا من المرونة في التشريع بل لا قيمة للتشريع والقانون المجرد عن العقوبات إزاء كسره, فالملاحظ ان القوانين التي لا تعاقب السلطات التنفيذية على مخالفتها لا تحترم ولا يتقيد بها الناس, فتجميد العقوبات تجميد لروح القانون وجوهره وان لم يمس صياغته الاعتبارية, ومن هذا المنطلق يدخل مبدأ العفو في مرونة التشريع وهذا المبدأ يدخل تحته عدة عناوين:-
العنوان الأول اجتناب الكبائر يمسح السيئات
ويدل عليه عدة آيات
1- قوله تعالى:-
إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا {النساء/31}
فليس اجتناب الكبائر موجبا لمحو السيئات فحسب بل الوعد الإلهي قطع لهم بإدخالهم مدخلا كريما, وهذا يعني إلغاء روح التكاليف المعفو عنها وتنزيلها منزلة العدم, مما يؤكد المدى الواسع لمرونة التشريع.
2- قوله تعالى:-
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى {النجم/32}
3- قوله تعالى:-
فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ {الشورى/36} وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ {الشورى/37} وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {الشورى/38}
العنوان الثاني التوبة
فمتى تراجع العاصي عن عصيانه وندم على ما فات وعزم على ان لا يعود للماضي غسلت ذنوبه وتم العفو عنه وكأن شيا لم يكن.
ويدل عليه الكثير من النصوص كتبا وسنة نكتفي بذكر نموذجين:-
1- ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً {النساء/17}
2- رواية جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) وسائل الشيعة ج 16, ص74, ب76 من أبواب جهاد النفس, ح8.
وهذا يجعل تلك التكاليف بعد التوبة ساقطة شكلا ومضمونا جوهرا ومظهرا, وهذا أمر غير معهود من أنظمة الحكم المختلفة, فمهما تاب المجرم ومهما بلغ ندمه وتصميمه على الإقلاع عن الجريمة لا تسقط عقوبته ولا تمسح جريمته نعم قد يكون الندم والتوبة سببا لتخفيف العقوبة لا لإلغائها.
العنوان الثالث المغفرة بلا توبة.
1- } إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا {النساء/48}
فالغفران لغير التائب فالشرك يعفى عنه بالتوبة
2- وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ {الرعد/6}
فتشملهم المغفرة مع كونهم ظالمين.
3- قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {الزمر/53}
4- وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ {الشورى/25}
وهذه الآية واضحة جدا في مغايرة العفو للتوبة وان العفو يشمل غير التائبين بقرينة عطف العفو على التوبة.
5- وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ {الشورى/30}
وغني عن البيان وضوح ان الآية بصدد بيان العفو عن غير التائبين حيث ان التائب تغفر جميع ذنوبه لا كثيرها.
العنوان الرابع الشفاعة
نقتصر على ذكر بعض النماذج:-
1- مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا {النساء/85}
2- ( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ {البقرة/255}
3- يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا {طه/109}
4- يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ {الأنبياء/28}
5- الحديث عن رَسُولِ اللَّهِ (ص) إِنَّمَا شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي.
وسائل الشيعة ج15, ص334, ح4 من ب47 من أبواب جهاد النفس.
6- " إن شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمتى " .
( سنن ابن ماجة - محمد بن يزيد القزويني ج 2 ص 1441)
7- وعن الإمام الصَّادِقُ (ع): شَفَاعَتُنَا لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ شِيعَتِنَا فَأَمَّا التَّائِبُونَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (التوبة - 91).
وسائل الشيعة ج15, ص334, ح5 من ب47 من أبواب جهاد النفس.
العنوان الخامس
هذا مضافا إلى ان الحسنة بعشر في مقابل ان السيئة بواحدة.
وان نية الحسنة تكتب ونية السيئة لا تكتب.
وان الحسنات يذهبن السيئات.
[1]- بحوث‏ في ‏علم ‏الأصول/ج4/ 235
1ـ الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه أهل السنة: 65.

[3] - وسائل‏الشيعة ج : 12 ص : 489 باب 45 من أبواب تروك الإحرام

ليست هناك تعليقات: